توقيع الكتب .. منصات للمتاجرة بالثقافة وشبابها
مؤلفون جدد، شبان وشابات، يملأهم الحماس ولا تنقصهم الموهبة. تدفعهم طقوس مواسم الكتاب المستحدثة، للتفكير بلحظة توقيع الكتاب وتدشينه قبل التفكير في اختيار عنوانه ومحتواه. كنتيجة عكسية وحتمية لـ "متاجرة" دور نشر بأحلام شباب صادق في طموحه. دور تخلت عن دورها التنويري والانتقائي على مستوى الاختيار والإعداد، لتجد في هذه الطقوس الشكلية بابا واسعا، وحلا سريعا لتسويق منتجاتها، مع إغراء الشباب باحتفاء مختلف، ودائما بغض النظر عن قيمة هذا المنتج الثقافية.
إذ لم تكتف بعض دور النشر بتحصيل قيمة الكتاب قبل طباعته من الكاتب الشاب نفسه، لتستحدث مثل هذه الطقوس التي ترغم القارئ على شراء الكتاب، كشرط للحصول على التوقيع، من خلال مقايضة لحظية محرجة، قد يضطر معها الكاتب لشراء مجموعة من النسخ وتجهيزها للتوقيع والإهداء.
إلى ذلك، وصلت حجوزات منصات التوقيع أرقاما غير مسبوقة في معارض الكتاب الخليجية والعربية سنويا، مع ضرورة الحجز مسبقا قبل الحدث بأشهر لضمان وجود منصة خالية لمدد لا تتجاوز نصف الساعة. فيما يبرر أصحاب دور النشر هذا الأمر بكونه أضحى تقليدا عالميا يحفز على إنتاج الكتب وتداول المعرفة.
والحقيقة، إن في هذا تجنٍ على تاريخ تواقيع طويل، فضلا عن تحوير واضح لمفهوم التوقيع الذي استهله عربيا أديب بقامة عباس محمود العقاد بالاتفاق مع دار "أنجلو" الناشرة لأعماله حينها. فكان التوقيع مشابها لما هو معمول به في أوروبا السباقة، حيث يختص التوقيع بعمل جديد، ولكن لكاتب معروف، وذي باع طويل في التأليف؛ اجتماع نوعي يعقد برعاية الناشر ويلتئم فيه الكاتب مع المهتمين بأدبه وفنه للحديث عن الجديد والقديم من خلال طقس تفاعلي أشبه ما يكون بالصالون الثقافي.
أما ما يحدث اليوم من استغلال للشباب، بدءا بتكلفة الطباعة والنشر، التي لم يكن ليتحمل عبئها كاتب على مر التاريخ، وصولا لتدشين العمل وبيع نسخه الأولى على طريقة تقديم "النجوم"، رغم أنه الإنتاج الأول. فالأمر هنا يتجاوز التحفيز والتسويق المقبول، مؤكدا حجم المتاجرة بالثقافة وشبابها وفقا لمنتقدي هذا الأسلوب. ليطغى بتبعاته السيئة اقتصاديا وثقافيا على حاضر النشر المحلي ومستقبل صناعته، إضافة إلى ما هو أسوأ فيما يتعلق بالتلاعب بمشاعر وطموح مواهب شابة صادقة في عطائها ورغبتها ولوج المشهد الثقافي من أوسع أبوابه المعرفية.
يبقى أن معارض الكتاب ومواسمه المزدهرة بشهادة الأرقام، عاما بعد آخر، التي لم تهتز رغم كل ما قيل ويقال عن تراجع الورق لمصلحة الإلكترون، لا يمكن لها أن تستمر كصناعة معارض دولية في هذا الجانب المعرفي تحديدا دون رافد حقيقي تمثله عموم صناعة النشر، المعنية بدورها - أكثر من غيرها - بالمحتوى الجيد النوعي واستدامته، أيا كانت وسائط العرض وطرق التقديم.