«في الإسلام الثقافي» .. تقريض لعنوان بلا مضمون
صدر منتصف العام الجاري للأديب والروائي المغربي؛ ووزير الثقافة الأسبق بنسالم حميش كتاب بعنوان "في الإسلام الثقافي" (333 صفحة) عن الدار المصرية اللبنانية، في ستة فصول وثلاثة خاتمات منجمة، وملحق يتضمن ثلاثة نصوص أحدها للفيسلوف نيتشه، والآخر لزميله في الحرفة هيجل؛ مدار كلا النصين الفلسفيين عن الإسلام، وملحق ثالث عبارة عن نصوص منتقاة لبعض الأعلام التي توقف عندها الكتاب.
"في الإسلام الثقافي" محاولة -كما يقول الكاتب-، في سبر أغوار الإسلام الثقافي بعدما كثر الحديث؛ في الأوساط الأكاديمية والمراكز البحثية عن الإسلام السياسي، وما يدور في فلكه لدرجة التخمة والإسفاف، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في الأوساط العربية والغربية على حد سواء.
ويضيف موضحا أكثر هذه النقطة الإشكالية في مقدمة الكتاب "إننا مع الثقافة في تاريخ الإسلام (أو الإسلام الثقافي) نكون إجمالا في أجواء وسياقات ذات طبائع ووظائف مغايرة للإسلام السياسي، إذ يغلب عليها التوجه النقدي وإعمال الفكر المعمق النيّر، وتوخي الإبداع الرافع المطور، بعيدا عن بداوة الفكر، ذهنية وحساسية وإدراكا. وذلك ما نطمح إلى تبيانه في هذا الكتاب، وأيضا من خلال نصوص نترجمها لبعض الفلاسفة الأوروبيين الكبار من مصاف كانط وهيجل ونيتشه، إضافة إلى دارسين وقفوا عند الإسلام الثقافي، ليس من باب الإعجاب والتنويه حصريا، وإنما أساسا بالتحليل وحسن الإدراك وحس الإنصاف".
عماد هذه المحاولة عودة إلى التراث الإسلامي مع قامات فكرية استطاعت أن تبصم بمساهمتها في التاريخ الإنساني، كل واحدة من منظورها وموقعها وتخصصها العلمي. فهذه الشخصيات تجاوز وقع تأثيرها دائرة انتمائها الفكري ونطاقها المجالي وحقبتها الزمنية، ليمتد عبر الزمان والمكان، وأحيانا في الألسن. حتى وإن كانت، من زاوية نظر أخرى، مفتقدة إلى خيط ناظم بينها، فلا مسألة المعاصرة الزمنية قائمة في حقها، ولا الانتماء للحقل المعرفي نفسه والاهتمام البحثي متحقق فيها.
يأخذنا حميش في جولة مع قامات فكرية في التاريخ الإسلامي، بداية مع أبي حنيفة النعمان ومحاولاته من أجل أنسنة الفقه الإسلامي، فتجربة الوجود والكتابة عند أبي حيان التوحيدي، مرورا بابن رشد وشوق المعرفة، وابن بطوطة ورحلة المتعة والتقوى، وصولا أخيرا إلى سيرة ابن خلدون المغربي.
يستعرض الكاتب جوانب من حياة هؤلاء الكبار الحافلة بالوقائع، ذات النصيب الكبير من المساهمة في تشكيل شخصيتهم وصقل أفكارهم ورؤاهم. وقد تحولت في بعض الأحيان إلى ذاك المحفز الكامن وراء رسم مساراتهم التي سجلوا بها حضورا نوعيا في التاريخ الإسلامي والإنساني معا.
لكن سعي صاحب رائعة "مجنون الحكم" إلى الغوص عميقا داخل ثنايا السير الذاتية لهذه الشخصيات المنتقاة بعناية، وبصفة خاصة عند استغراقه في زحام تفاصيل تراثية بسيطة؛ مما هو معروف لدى كل باحث مهتم بالتراث، أفضى إلى نوع من الاستثقال على القارئ، وأحيانا التيه في جزئيات لا نكاد نجد لها موقعا في سياق الحديث عن روح الإسلام الثقافي.
يزجُ بنا حميش، في غير ما موقع من الكتاب، في معاركه الخاصة؛ عندما يدخل في سجال الردود -وأحيانا التصحيحات- على بعض الأعمال التي تقاطع معها لدى بحثه حول هذه الرموز. فنجده مثلا يكيل نقدا حادا في الصفحات التي خصصها لعرض سيرة أبي حيان التوحيدي لكل من إبراهيم الكيلاني وإحسان عباس حتى بدا الكلام أقرب ما يكون إلى حرب لإثبات أو إسقاط صفة هكذا (ازدواج الشخصية، المرض النفسي...) في حق تلك الشخصية.
الأمر نفسه سوف يتكرر في الفصل المخصص لفيلسوف قرطبة ومراكش أبي الوليد ابن رشد، الذي أخذنا الكاتب على حين غرة من المساجلة حول أفكاره وترجماته والمقاربات النقدية للفلسفة الرشدية، ليقحمنا في مناقشته التفصيلية للراحل يوسف شاهين صاحب فيلم "المصير" بدءا من إعلان تحفظاته على اللقطات والمشاهد والموسيقى، وصولا إلى نقد السيناريو ولغة كتابته وأداء بعض الممثلين، مما لا نجد له موقعا ضمن أطروحة الكتاب.
لا يتردد الكاتب كلما وجدت فرصة مواتية لممارسة سلطة معرفية على القارئ، وذلك باستعراض بعض الهفوات المعروفة لبعض الأسماء في التاريخ الإسلامي، وتقديمها في الكتاب وكأنها كشف مبين، ومن ذلك قوله: "إن أبا نصر الفارابي اقترف غلطة... إذ نسب خطأ مقتطفات من تساعيات أفلوطين (ت 270 م) إلى أفلاطون (ت 347 ق م) وحاول على ضوئها التوفيق بين هذا الأخير وبين أرسطو في مؤلفه الموسوم كتاب الجمع بين رأي الحكيمين".
يبقى الفصل السادس والأخير الذي جاء تحت عنوان "عن حقوق الإنسان والمرجعية الإسلامية" فصلا خان فيه بنسالم حميش عنوان الكتاب بامتياز، إذ يجد القارئ نفسه حائرا في موقع الفصل ضمن المؤلف بصفة عامة، ويزداد الالتباس والغموض بمجرد قراءة المضمون بتفاصيله حول الحدود في الإسلام والإرث... وغيرها مما لا نجد مبررا موضوعيا لأي نقاش أو تحليل له في هذا السياق.
يضاف إلى ذلك أن الانتقال من فصل لآخر بحاجة إلى تلك اللمسة المعرفة التي يستطيع بها الكاتب تقييد قارئه وأسره في بحر هذا الفصل أو ذاك لا أن يتركه -كما فعل كان حالنا مع حميش- في جزر منفصلة لا نكاد نجد لها رابطا سوى تلك المقدمة التي أطر بها فصول الكتاب التي تحتفظ بالاستقلالية التامة عن بعضها البعض، ما يجعلها أقرب إلى دراسات في السير منها إلى كتاب محكم الحبكة والترابط المنهجي.
نشير أخيرا إلى أن فكرة الكتاب الرامية إلى تسليط الضوء على جوانب من الإسلام الثقافي، كما يعلن عن ذلك حميش في المقدمة، فكرة ذكية ومرغوب فيها، وراهنية بامتياز في الزمن الذي نعيشه. خصوصا بعدما تحول الحديث عن الإسلام؛ في الأوساط الغربية بالخصوص، إلى مرادفات لـ "الإسلاموفوبيا" و"العنف" و"التطرف" و"الإرهاب"... لكن الواضح أن "سماسرة السراب" -عنوان أحد أعمال الكاتب- قد خانوا حميش ما جعل بوصلته التحليلية تزيغ عن قصدها، الشيء الذي أفقد جوهر الكتاب أي مضمون إبداعي عن فكرة الإسلام الثقافي.