رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بطاقة معايدة.. نفطية!

[email protected]

عيدكم مبارك.. بطاقة المعايدة لعيد الفطر الماضي هنأت القراء بأخبار سارة مفادها أن أسعار النفط ستبقى مرتفعة، وذلك بناء على ثلاثة أخبار رئيسة ذكرت في البطاقة. وبالفعل ارتفعت الأسعار حتى اقتربت من نحو 100 دولار للبرميل في الأسواق الأمريكية.
أما بشارة هذا العيد فهي أن هناك أصواتا غربية تبرئ السعودية و"أوبك" من تهمة رفع أسعار النفط وتلوم وكالة الطاقة الدولية.. نعم، المتهم الآن وكالة الطاقة الدولية، والسبب أنها نشرت توقعات خاطئة عن إنتاج دول خارج "أوبك" من النفط، الأمر الذي جعل "أوبك" تخفض الإنتاج، فانفجرت الأسعار، ووصلت إلى حدود 100 دولار للبرميل.
أخطاء وكالة الطاقة الدولية كبيرة وكثيرة. وأكبر خطأ ترتكبه وكالة الطاقة أن النموذج الرياضي الذي تستخدمه للتنبؤ بمستقبل أسواق النفط قد عفى عنه الزمن ولا يتناسب مع تطورات أسواق النفط في السنوات الثماني الأخيرة. والأنكى من ذلك فإنه لا يتناسق مع ما تدعيه وكالة الطاقة من تعاون مع "أوبك"، خاصة من خلال منتدى الطاقة الدولي في الرياض، وذلك لأن النموذج الرياضي المستخدم في التوقعات مبني بطريقة معادية لـ "أوبك" أصلاًً لأنه يفترض أن "أوبك" "منظمة احتكارية".
تقوم وكالة الطاقة الدولية بتقدير توقعات الطلب على النفط باستخدام معادلات سلوكية تتضمن متغيرات تؤثر في الطلب، بما في ذلك الطلب في الفترات الماضية. ثم تقوم الوكالة بتقدير إنتاج دول خارج "أوبك" باستخدام طريقة مماثلة. ولأن الوكالة تفترض أن "أوبك" " منظمة احتكارية، فإنها تفترض أن الفرق بين تقدير الطلب العالمي على النفط وتقدير إنتاج دول خارج "أوبك" هو ما ستنتجه "أوبك". هذه الطريقة في التقدير تؤدي إلى النتائج التالية:
1- إنتاج "أوبك" لا يعتمد على متغيرات سلوكية، لذلك فإن الفرق ربما يكون أكبر من طاقة "أوبك" الإنتاجية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار، كما حصل في السنوات الأخيرة.
2- تقديرات الطلب على النفط وإنتاج خارج "أوبك" تعتمد بشكل كبير على بيانات السنوات الأخيرة، الأمر الذي يؤدي إلى تحيز في التقدير لأن الارتفاع المستمر يؤدي إلى ارتفاع التقدير وانخفاضه يؤدي إلى انخفاض التقدير.
3- نتيجة للنمو الكبير في التسعينيات وأوائل الألفية في نمو إنتاج خارج "أوبك"، فإن النموذج المستخدم توقع استمرار إنتاج دول خارج "أوبك" في الزيادة بشكل كبير، ولكن هذا لم يحصل. هذا الخطأ نتج عنه أمران: أولا أن "أوبك" تخوفت من هذه الزيادة فرسمت خطط زيادة الطاقة الإنتاجية بناء على ذلك. الثاني أن "أوبك" تخوفت من زيادة المعروض عام 2007 فقامت بتخفيض الإنتاج. نتج عن هذا ارتفاع كبير في الأسعار.

البيوت الاستشارية أسهمت أيضا في رفع الأسعار
تقوم وزارات النفط و"أوبك" بدعوة خبراء البيوت الاستشارية من حين إلى آخر للاستفادة من خبراتهم وآرائهم. في أواخر التسعينيات أجمع أغلب هؤلاء الاستشاريين، الذين يعتمدون أيضاً على بينات وكالة الطاقة الدولية، على أنه يجب على دول "أوبك" أن تكون حذرة في توسيع الطاقة الإنتاجية بسبب الزيادات الضخمة في الطاقة الإنتاجية للعديد من الدول خارج "أوبك" خاصة روسيا وكازاخستان والبرازيل وبحر الشمال ومنطقة غرب إفريقيا. ولكن هذه الزيادات لم تستمر، ووقعت "أوبك" في مأزق هذه التوقعات. لم يقتصر الأمر على ذلك، فمع ارتفاع الأسعار في بداية الألفية أصرت هذه البيوت على أن الأسعار ستبقى منخفضة، وأنه من غير المجدي الاستثمار في طاقة إنتاجية فائضة، وفجأة، انفجر الطلب الصيني في وجه الجميع وارتفعت الأسعار بشكل شديد. المفاجئ أن بيوت الخبرة، إضافة إلى وكالة الطاقة الدولية بدأت ترفع توقعاتها في الطلب على النفط بشكل كبير، وبدأ البعض يتكلم عن أزمة الطاقة المقبلة، ولكن النمو في الطلب على النفط انخفض منذ عام 2005، ولم يرجع إلى مستويات عام 2004 حتى الآن.

هنري جروبي يلوم وكالة الطاقة ويدافع عن السعودية
في مقابلة جرت منذ أيام مع المحلل النفطي المعروف هنري جروبي أشار هذا الخبير إلى أن وصول أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل لا علاقة له بزيادة الطلب على النفط أو بالمضاربات أو بوصول إنتاج النفط إلى ذورته، وإنما يعود إلى خطأ في توقعات وكالة الطاقة الدولية. وأشار جروبي إلى أن السعودية تستطيع المحافظة على إنتاجها الحالي دون أي مشكلات ولمدة عقدين من الزمن. ويتوقع جروبي وصول الإنتاج العالمي إلى ذروته عام 2008، ولكنه يرى أن الأسعار ستبقى بين 65 دولارا و85 دولارا للبرميل حتى عام 2015.
ويلقي جروبي باللوم على وكالة الطاقة الدولية ويعتبرها مسؤولة عن الارتفاع الشديد في أسعار النفط في الفترات الأخيرة بسبب توقعها الخاطئ في أيلول (سبتمبر) 2006 بأن إنتاج دول خارج "أوبك" سيرتفع بمقدار 1.8 مليون بريمل يوميا في السنة التالية (2007). بسبب هذا التوقع قامت "أوبك" بخفض الإنتاج بالكمية نفسها تقريبا (1.7 مليون برميل) في بداية 2007 لتفادي انهيار أسعار النفط. توقُع وكالة الطاقة كان خاطئا بشكل كبير لأن الزيادة الفعلية حسب وكالة الطاقة حالياً هي 500 ألف برميل فقط، أي 1.3 مليون برميل أقل مما كان متوقعا.

الخلاصة
لو كان لدينا فكر نفطي عربي لانبرى مفكرونا للدفاع عن مصالحنا في المحافل الدولية ولألقوا باللوم على الدول المستهلكة قبل أن تقوم هذه الدول بمهاجمتنا. صحيح أن ما سبق يبرئ "أوبك" من ارتفاع الأسعار، ولكنه يدين دول "أوبك" لأنه ليس لديها الكوادر الوطنية والمراكز البحثية والبيوت الاستشارية الوطنية للاستعانة بها في تقديرات العرض والطلب وغيرها. مازالت دول "أوبك" حتى يومنا هذا تنفق ملايين الدولارات على الخبراء الأجانب والمراكز البحثية الأجنبية، رغم كل أخطاء التوقعات في الماضي. لقد حان الوقت لبناء مراكز بحثية في مجالات الطاقة والبيئة في الجامعات السعودية. وأقول مراكز وليس مركزا واحدا لأن وجود العديد منها يؤدي إلى زيادة المنافسة، وتعدد الأفكار والنظريات. أليس من المحزن أن تعتمد "أوبك" على تقديرات وكالة الطاقة الدولية وهي التي أنشئت أصلا لمحاربتها؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي