الاقتصاد السعودي ومدى قدرته على مواجهة المستجدات الاقتصادية التي طرأت على الساحة العالمية

الاقتصاد السعودي ومدى قدرته على مواجهة المستجدات الاقتصادية التي طرأت على الساحة العالمية

[email protected]

في ظل الأجواء الغائمة التي تبدو للوهلة الأولى أنها غير مشجعة لأي جهد بشري، تطوف هذه الزاوية كل أسبوع ببقاعٍ متفرقة دون أن تتقيد بحدود جغرافية لترصد اختلالات متنوعة تدرسها وتعالجها أملا في أن يكون الخلل مفتاحا للصواب.

يمكن القول - وبكل وضوح - إن المستجدات الاقتصادية التي طرأت على الساحة العالمية والمفاهيم الاقتصادية التي تشكلت في الفكر الاقتصادي الحديث، كلها تحديات كبيرة من شأنها أن تحدد طبيعة الاستثمار واتجاهاته في أي دولة، وأن تفرض واقعا اقتصاديا وسياسيا مغايرا لحالة العشوائية والتلقائية السائدة في معظم دول العالم الثالث في التخطيط والتنظيم ورسم السياسات الاستثمارية المختلفة.
لقد انعكست الأوضاع الاقتصادية الدولية خلال الأعوام القليلة الماضية على النمو الاقتصادي العام في المملكة، حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للمملكة سجل في السنوات القليلة الماضية نمواً ملحوظا، حيث يبين الهيكل القطاعي للناتج المحلي الإجمالي للمملكة ارتفاعا نسبيا للقطاعات النفطية وغير النفطية، فالبيانات تشير إلى أن الناتج المحلي للقطاع غير النفطي نما عام 2006 بنسبته 8 في المائة تقريبا وبما يعادل 55 في المائة من إجمالي الناتج المحلي البالغ أكثر من ألف مليار ريال تقريبا. وتشير التقديرات الأولية المتوافرة عن المملكة إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة ارتفع كذلك، غير أن معدل النمو الحقيقي في المملكة، على الرغم من ارتفاعه، فإنه لا يزال متواضعا جدا ولا يتناسب مع طبيعة وحجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الاقتصاد في ظل ارتفاع معدل النمو السكاني وزيادة معدلات البطالة والمطالبة بالمزيد من الفرص الوظيفية للأعداد المتزايدة الداخلة إلى سوق العمل. فعلى الرغم من زيادة متوسط نصيب الفرد السعودي من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بالكثير من دول العالم، فإن التقديرات تشير إلى أن هذا المتوسط انخفض كثيرا, وذلك نتيجة نمو السكان بمعدل يفوق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. هذا مع الأخذ في الحسبان أن المتوسط العام لنصيب الفرد السعودي لا يعكس توزيع الدخل بشكل حقيقي حسب فئاته أو حسب التوزيع الجغرافي بين الريف والحضر.
وإذا نظرنا إلى توزيع الهيكل القطاعي للناتج المحلي الإجمالي، نلاحظ الأهمية النسبية لقطاع الزيت ومنتجاته في الاقتصاد السعودي، لذلك فمن الطبيعي أن يتأثر هذا الاقتصاد كثيرا بالتطورات والأحداث العالمية خاصة الارتفاع الشديد الحادث اليوم (2007م) في أسعار النفط التي بلغ فيها سعر برميل النفط إلى ما يقارب 75 دولارا للبرميل الواحد. ونتيجة الموارد المالية الضخمة التي حصلت عليها المملكة جراء ذلك، فقد تمكنت الدولة من ضخ استثمارات مالية كبيرة وتحقيق معدلات نمو عالية وإنجازات ملحوظة في مجالات البنى التحتية من طرق وموانئ ومطارات واتصالات وكهرباء ومياه، وتطوير العديد من الأنشطة الإنتاجية الصناعية والزراعية، إضافة إلى تطوير قطاع الخدمات؛ وبصفة خاصة الصحة والتعليم والإسكان. وتذكرنا هذه الاستثمارات بما سمي في حينه بالثروة النفطية في بداية السبعينيات الهجرية التي كانت المحرك الأساس للنمو، التي نتج عنها ارتفاع حركة تشغيل العمالة السعودية على نطاق واسع في جميع قطاعات الاقتصاد. ومع انخفاض أسعار النفط في الثمانينيات تراجعت العائدات النفطية وانخفض حجم الاستثمار العام وتباطأ معدل النمو الاقتصادي واتسعت فجوة الموارد وانخفض الطلب على الأيدي العاملة وبدأت مشكلة البطالة في الظهور. ولا يزال الاقتصاد السعودي يعاني ضعف القاعدة الإنتاجية وضعف القدرة على توليد وظائف عمل جديدة تتناسب والأعداد المتزايدة من الراغبين في الحصول على فرص وظيفية. وقد أسهمت عوامل عديدة في تفاقم هذه المشكلة من أهمها: تنامي العجز في ميزانية الدولة في السنوات القليلة السابقة لارتفاع أسعار النفط الجديدة، الاعتماد الكبير على القطاع العام، وبطء نمو القطاعات الإنتاجية. إلى جانب ذلك هناك عدم وضوح في السياسات والبرامج التنموية وضعف في القدرة التنافسية للقطاع الخاص بسبب انخفاض الإمكانات والقدرات الفنية والتقنية والتنظيمية. هذه العوامل وغيرها أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى أرقام عشرية أثرت بشكل كبير وسلبي في الوضع الاجتماعي في البلاد، وأسهمت في زيادة نسبة الفقر بين السكان وأصبحت مشكلة الفقر مشكلةً حقيقيةً وهاجسا يؤرق الكثير من المواطنين ومتخذي القرار في المملكة.
إن توفير فرص عمل جديدة للمواطن السعودي من الجنسين يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي في الوقت الراهن وفي المستقبل، وهو تحد يتطلب نيات صادقة للإصلاح ومجهودات نوعية في ظل ظروف سياسية واقتصادية غير مستقرة تمر بها المنطقة الخليجية واقتصادات دولها. إن زيادة فرص العمل هدف يتطلب استثمارات إضافيةً تفوق المعدلات التي كانت سائدةً في السابق، وتعزيز حقيقي للقطاع الخاص، ووضع السياسات الاقتصادية والمالية الناجعة، وتقديم جميع التسهيلات الرامية إلى تحسين المناخ الاستثماري، فالسياسات الاقتصادية التي طبقت في الماضي لم تؤد إلى توفير فرص عمل كافية أو إلى خلق كادر سعودي باستطاعته المنافسة عالميا والصمود أمام تحديات العولمة وانفتاح الأسواق على بعضها بعضا، بل إن بعض هذه السياسات كانت سببا في تفاقم العديد من المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد السعودي اليوم.
إن الحلول والسياسات التي تستهدف تصحيح مسار الاقتصاد السعودي ومعالجة ظاهرتي الفقر والبطالة يتعين النظر إليها على أنها حزمة متكاملة تشمل سياسات تنموية في مجال التعليم، الصحة، الإنتاج، النظام المالي، التشريعات، الأطر، والإجراءات، وغيرها من السياسات، وما لم يتم تحقيق ذلك فإن القوى العاملة السعودية ستصبح عنصر ضعف يساعد في تباطؤ وتيرة التنمية، ويؤدي إلى حدوث انعكاسات سلبية على الخصائص الديموغرافية، الاجتماعية، الثقافية، والسياسية في الدولة.

الأكثر قراءة