ضجيج النخب .. إصلاح الثقافة يبدأ بمثقفيها
لطالما كانت النخبة المثقفة تحديدا أو ما تعرف باسم الإنتلجنسيا تاريخيا أهم طبقة اجتماعية وصاحبة الدور القيادي الأول في إشعال جذوة التفكير وفي تشكيل ثقافة المجتمع وسياسته. ثم أتت ثورة المعلومات والتواصل لتسهل كثيرا من الأدوات والوسائل مع بقاء الدور ذاته. إلا إن المتأمل في واقع المثقف السعودي وخصوصا عبر شبكة التواصل تويتر، يلمس بعدا آخر لهذا الدور المتصاعد "سياسيا" والمتراجع "ثقافيا"، فإثارة الضجيج المتواصل والتحزب، دون "طحن" أو فعل ثقافي يذكر، أصبح من المزايا السلبية الواضحة للسياقات الثقافية السعودية في ظل تكاثر هذا النوع من النخب مسبقة الحكم والموقف.
دور سلبي
والإنتلجنسيا التي قد تشمل بحسب تعريفها الفنانين ومعلمي المدارس، والأكاديميين والكتاب والصحافيين والدعاة وغيرهم ممن يُطلق عليهم بشكل واسع نخبة، ليست صاحبة دور مثمر على طول الخط ، فدورها في تنمية المجتمع محط جدل واسع ولم يكن إيجابياً بالضرورة في حالات تاريخية كثيرة، إذ قد تسهم هذه النخب كمجموع بدفع المجتمع إلى مستويات تقدم كبيرة، وقد تلعب في المقابل دورا في تعزيز حركاته المتخلفة. وهنا مكمن الخطورة الداعي لنقدها وإصلاحها.
#2#
"تملق الشعبي دائما ومعاداة السلطة ـ ولو ظاهريا ـ طوال الوقت"، إحدى الوصفات الناجحة التي لا تخفى على المثقف، بل قد تصبح جزءا من لاوعي البعض وتوجهاته. إذ لا تكتمل ثقافته و"وجاهته" اليسارية أو اليمينية النخبوية إلا بها. وهو الفعل الشعبوي ذاته الذي أصبح دارجا سياسيا بتصدر كثير من الشعبويين من شرق أوروبا إلى غربها وصولا لواشنطن المهددة بوصول ترامب لسدة الحكم عن طريق أدوات ودعوات ثقافية شعبوية تستجدي وتتلاعب بمشاعر الناس ورغباتهم باستخدام الوصفة "الشعبية" ذاتها السالف ذكرها.
تلون المواقف
القول بمعاداة السلطة "ظاهريا" فقط هو حقيقة من حقائق الموقف النخبوي المتلون المتلاعب بمشاعر الجمهور تبعا لمواقف شخصية من السلطة وممثليها. خصوصا إذا ما علمنا أن السلطة أنواع؛ أهمها سلطة التأثير وحصد الأتباع التي لا تغيب عن هذا النوع من المثقفين، بل زادت وتمكنت أداتيا مع ظهور شبكات التواصل، فيعادون السلطة بحثا عن سلطة رمزية مقابلة، دينية أو ثقافية تضع نفسها دائما بموازاة السلطة السياسية أو الإدارية، لا تقبل من يمسها أو يمس مكتسباتها، ملوحة باستمرار بقوة حشدها وتأثيرها إذا ما تم تجاهلها لأي سبب من الأسباب.
و"ظاهرية" معاداة السلطة كأداة شعبوية مقابل جدية الفعل الثقافي الذي لا يعنى بالظواهر يعود أيضا لحقيقة سهولة استمالة هذا النوع من المثقفين، والشواهد كثيرة، فتغير السلطة أو إبداؤها ولو جزءا يسيرا من الاهتمام بتقريب هذا المثقف أو ذاك، سواء من خلال الدعوات الرسمية أو الاتصالات الشخصية المباشرة أو غير المباشرة، كفيل بتغيير الموقف جذريا من السلب إلى الإيجاب في أفضل الأحوال، أو الكف عن الضجيج وافتعاله في أقلها.
«إفساد» ثقافي
تركيز مفهوم "السلطة" في أفراد بعينهم أو جهة محددة ومعاداتها لمجرد الظهور بشكل "بطولي" نضالي ثم كيل المديح لكل ما هو "شعبي" مهما بلغت عوراته، تضليل ثقافي لا يقل في سوءاته عن تملق السلطة وتنزيهها عن أي خطأ، ويتسبب بدوره في "إفساد" ثقافي لا يقل خطورة عن الفساد المالي والإداري، بتشكل مجاميع نخبوية لا تقبل المساس بـ"مناصبها" المنبرية أو الثقافية، وذلك يسهم في إيجاد بيروقراطية ثقافية متكلسة ينقصها الفعل الإيجابي سواء على مستوى الأشخاص أوالتمثيل.
لذلك وجد من المثقفين المنصفين من لا يفكر أو يتأمل السلطة نقديا إلا بوصفها جزءا من نسيج ثقافي عام، لها ماله من الحسنات وعليها ما عليه من السيئات، ليضع الصورة في إطارها الأشمل والأعم بعيدا عن التخصيص الذي يتقاطع بالضرورة ـ عن وعي أو لا وعي ـ ومصالح شخصية قد تكون حاصلة بالفعل أو ممكنة مستقبلا.
إجماع ثقافي
يبقى أن إصلاح الثقافة ومشهدها الوطني مرتبط بصلاح مثقفيها واجتماع نخبه على غايات تنويرية خالصة من الشوائب البيروقراطية والولاءات المتنافرة. ففي حين يختلف توجه المثقف البيروقراطي والسياسي مسبق الموقف باختلاف المجموعة التي ينتمي إليها أو الجهة التي يواليها أو يرى فيها على أقل تقدير صلاح التوجه والجهة الوطنية، يلزم بالضرورة "إجماعا ثقافيا" يعتمد على تنوع المجتمع وغنى ثقافته، ويكفيه أذى الصراعات الجانبية، دافعا بمستقبل الثقافة السعودية نحو فضاءات أوسع يستحقها البلد ويستحقها مواطنوها، تنويرا وإصلاحا لا يختلف عاقل حول جدواه وإن اختلف المجموع حول سبل الوصول إليه وتحقيقه.