«سياسة العداء» .. خريطة الهيمنة والإقصاء في العالم

«سياسة العداء» .. خريطة الهيمنة والإقصاء في العالم
الخروج من التبعية إلى الحرية، يتطلب عملا دقيقا والكثير من الذاكرة والسرد.

يحلل الفيلسوف الكاميروني أشيل مبمبري، "سياسة العداء" والعنصرية التي يتم تثبيتها كسياسات للدولة، وتجاهل كونها أصبحت بمثابة محركات اقتصادية لا غنى عنها في عالمنا الحالي لبعض الدول في اعتمادها على أخرى. في الوقت الذي نملك فيه أسئلة أكثر من الأجوبة حول مشكلة العنصرية؛ التي يتم تثبيتها كسياسة للدولة في أجزاء معينة من العالم؛ توضع المبادئ الأساسية للديمقراطية في محل شك. كما تطرح عديدا التساؤلات حول هذه "السياسات العدائية"، مثلما يعرّفها الفيلسوف الكاميروني أشيل مبمبري، أحد المؤلفين الأساسيين لدراسات ما بعد الاستعمار. كما يحاول الفيلسوف من خلال كتاباته الجديدة حول القارة الإفريقية، رسم خريطة الهيمنة والإقصاء في العالم.
والعنصرية بتعريفها المتداول هي الاعتقاد بأن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس و/أو قدراتهم وعزوها لانتمائهم إلى جماعة أو لعرق ما - بغض النظر عن كيفية تعريف مفهوم العرق - وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا. كما يستخدم المصطلح للإشارة إلى الممارسات التي تتم من خلالها معاملة مجموعة معينة من البشر بشكل مختلف، ويتم تبرير هذا التمييز في المعاملة باللجوء إلى التعميمات المبنية على الصور النمطية وباللجوء إلى تلفيقات علمية. وهي كل شعور بالتفوق أو سلوك أو ممارسة أو سياسة تقوم على الإقصاء والتهميش والتمييز بين البشر على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي.
لذلك، يحاول الفيلسوف في دراسته "ميتافيزيقيا العرق والحرب.. سياسات العداء والعنصرية التي تتركز حاليا في العالم" فهم كيفية تكون أساليب معينة للفكر الغربي، الذي يتجلى في كثير من الحالات على أنه "تراث مشترك". لكنه في واقع الأمر يكشف عن بعض الهياكل الخفية وراء الخطوط الفاصلة وتقسيم "مناطق الوجود واللا وجود". حيث إنه في الليبرالية الجديدة، هناك مناطق غير مرئية، تعيش في فقر مدقع، ومحكوم عليها بالنسيان والاختفاء.
هل أننا بهذه السياسات قد قمنا بتقسيم العالم إلى مناطق مضيئة وأخرى مظلمة؟ حسب أشيل مبمبري، فإن فكرة العرق التي تقوم على مفهوم "الزنجية" أو اللون "الأسود"، التي اقترحها إيمي سيزير وليوبولد سنغور، هي تجربة عملية من الخيال، خلال لقاء جزء من الظل ومنطقة مظلمة من اللاوعي لدينا. وحسب الفيلسوف، فإن مفهوم "الزنجية"، كجوهر، يعارض نظرية التشابه والقواسم المشتركة.
ومن ناحية أخرى، أصبح من غير الممكن التفكير في مستقبل العالم، عند السماح لسكان إفريقيا بالانضمام إلى مسيرته، أو تقديم الحرب في نموذج آخر أكثر وحشية من الهيمنة، تحت راية الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان. وكطريقة للتطهير، لا يزال اللعب متواصلا مع الأدوات الكلاسيكية للعقل الغربي، الذي تعتبر فيه العنصرية، المكون الأكثر تآكلا بالنسبة إلى الذات الأوروبية.
كما تجدر الإشارة إلى أنه في وقتنا الحالي، أصبحت الحرب محرك سياسة "الأرض الاستعمارية" ووسيلة للحفاظ على "الفحولة الأوروبية". ويعتبر الفيلسوف أنها وسيلة لتعزيز "فحولة" الرجل الأوروبي، ومن المثير للاهتمام، أن هذه السمة هي من مميزات العالم الإفريقي. وبدلا من التفكير في المجتمعات الصغيرة المصابة بالتوحد، يجب أن نبني جسورا ونفكر في الحل و"العلاج" الممكن، وبالتمعن في كتابات مبمبري حول "سياسات العداء" هذا العلاج يجب أن يعمل على وضع حد لهذه الفجوة النفسية التي تفصل بين بعضنا البعض، والغرق في العدمية ومنطق الحرب المدمر. وواصل الفيلسوف، قائلا "إن العنصرية هي اختراع مزدوج، بديل، وقناع لإخفاء الحقيقة، ولتزييفها". وفي مواجهة هذا الجسم الأسود، يتم إعمال مزيد من الموضوعية لتسهيل ثورة في عالم اللغة والتقدم نحو التصور لمستقبل جديد، وفي الأثناء يقع في مواجهة مع "الآخر"، ودمجه باعتباره جزءا منه. وبالتالي يمكن التخلي عن الهيكل العنيف في تفكيرنا، والابتعاد عن التجربة السيئة للذاتية الأوروبية.
من جهة أخرى فإن التساؤل الذي يضعه الفكر الغربي حول هذه المسألة، هو "لماذا الآخر هو مختلف عنا"؟ كما أن الخروج من التبعية إلى الحرية، يتطلب عملا دقيقا وكثيرا من الذاكرة والسرد. بعيدا عن المفاهيم المتوارثة لما يعرف بالعزل العنصري "التفرقة العنصرية - الفصل العنصري" التي تتميز بالفصل بين الأعراق المختلفة في الحياة اليومية، مثل الأكل في مطعم، والشرب من مياه النافوره، وفي استخدام نوع من المسكن دون غيره. أو في الذهاب إلى المدرسة، والسينما، أو في استئجار أو شراء منزل. العزل مرفوض سواء كان باسم القانون أو من خلال وجود قواعد اجتماعية عرفية.. تحتفظ بحق التمييز في التوظيف أو في بيع وإيجار المساكن لبعض الأعراق وصولا إلى الاقتصاص العنيف مثل عمليات الإعدام خارج نطاق القانون.
ويصل الفيلسوف الكاميروني، إلى أنه يمكن فهم العرق، أيضا كجهاز اقتصادي، يبني من خلاله شخص مجهول، يتم استعماله كوقود؛ وذو طبيعة مزدوجة، يمكن أن يتحول عبر العمل؛ إلى أحد الموارد الطبيعية. وفي هذه الحالة، يمكن أن يكون الإصلاح عبر الابتعاد عن كره ما لدينا من حواس وغرائز.

الأكثر قراءة