من الشرق إلى الغرب .. عدوى «الشعبوية» جرس إنذار أكثر منه انفجار

من الشرق إلى الغرب .. عدوى «الشعبوية» جرس إنذار أكثر منه انفجار
ظاهرة الشعبوية باتت أشبه ما تكون بعدوى تنتقل من بلد الى آخر.
من الشرق إلى الغرب .. عدوى «الشعبوية» جرس إنذار أكثر منه انفجار
ترامب الشرق: انسوا حقوق الإنسان، إذا تم انتخابي رئيسا للفلبين.

أينما تُولي وجهك تجدهم ينتشرون في أصقاع العالم الغربي، في حالة أشبه ما تكون بتكاثر الفطريات، بعدما كانت الظاهرة حكرا - فيما سبق - على بعض الكائنات الكلامية في إفريقيا والعالم العربي "ناصرية مصر، بعثية العراق، جماهرية ليبيا"... إنهم رجال السياسة الذين يتخذون الشعبوية منهجاً في الكلام وأسلوبا في الشأن العام.

تُعرَّف الشعبوية اختصارا بأنها "فلسفة" تعتمد على دغدغة عواطف الناس، من أجل اكتساب شرعية الحكم والقرار. وترتكز على "ديماغوجية" محورها جملة أساليب وخطب وحيل سياسية، يعتمدها الساسة في مواسم الانتخابات لإغراء الشعوب بوعود وهمية كاذبة، ظاهرها مصلحة الشعب، وباطنها الوصول إلى مقاليد الحكم.

وإن كان البعض من أمثال عالم السياسة الفرنسي بيير أندريه تاغييف Pierre-André Taguieff يرفض المقابلة بين الشعبوية والديماغوجية، إذ يرى أنه "من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين، بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه".

#2#

ويصفها آخر بتلك الأيديولوجية القائمة على دفع الأغلبية إلى مقاومة السلطة السياسية التقليدية، ومواجهة "الآخرين" سواء كانوا أقلية أو مهاجرين أو قوة خارجية، بمبرر الحفاظ على الهوية الوطنية والدفاع عن حقوق الأغلبية الشعبية.

يُعد الكاتب الفرنسي؛ ذو الأصول الشيلية، ألكسندر دورنا Alexandre Dorna واحدا ممن اهتموا بالموضوع منذ التسعينيات؛ حين ظهر إلى السطح جيل جديد من الشعبويين في أوروبا، في كتابه الصادر عام 1999 بعنوان "الشعبوية" Le Populisme.

وفيه يؤكد أن الشعوبية واحد من المفاهيم المفارقة في الفكر السياسي الحديث، فهو يحيل اشتقاقا إلى "الشعب" بوصفه الفاعل الأول للتاريخ وفي التاريخ. ولكن ليس من نظام سياسي يتنازل فيه الشعب عن فاعليته لمصلحة القائد الفرد الذي يقوده مثل النظام الشعبوي.

ويستنتج تعريفا للشعبوية قياسا إلى تعريف الديمقراطية التي تُقدَّم على أنها "حكم الشعب للشعب وبالشعب"، إذ يرى أنها تحتفظ بذات الصيغة مع تفويض "أب أو ابن أو قائد الشعب" للحكم بالوكالة عن الشعب ولأجل الشعب وفي سبيل الشعب.

حتى عهد قريب نجحت النظم السياسية لمعظم الديمقراطيات الغربية في القضاء على منافسيها الشعبويين، ليؤولوا إلى هامش الخطاب السياسي. لكن يبدو، كما أكدت الباحثة كريستا ديويكسChrista Deiwiks في دراسة موسومة بـ "الشعبوية" سنة 2009، أن الغرب عموما يعيش زمنا غسقيا بامتياز. فظاهرة الشعبوية باتت أشبه ما تكون بعدوى تنتقل من بلد الى آخر.

وهكذا يظهر هؤلاء الساسة الشعبويون مثل شخص لا يحمل في يده سوى مطرقة، ما يجعله يرى كل شيء أمام ناظريه مسماراً قابلا للطرق. كاشفين بذلك عن بداية إفلاس سياسي، يُجسده أولاً غياب برنامج سياسي متكامل، الذي يستبدل عادة بأدبيات الخطاب المتطرف. وثانياً بدخول المال جهرة إلى المعترك السياسي بعد أن كان يتخفى في أموال التبرعات واللوبيات الضاغطة.

يُلاحظ المتتبع أن موجة الشعبوية الجديدة التي تغزو العالم، تختلف عن الماضي حيث كانت الشعبوية بطولية، في وقت أشبه ما تكون فيه اليوم شعبوية خسيسة تُحمِّل المهاجرين و"الأغراب" مسؤولية البطالة والأزمة الاجتماعية في البلدان الغربية.

وتتزايد قيمة أسهم الشعبويين في بورصة السياسة، فقبل أيام تأكد رسميا ترشُح دونالد ترامب باسم الحزب الجمهوري للانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية، والمتابع لخرجاته الإعلامية يتيقن أنه شعبوي ضحل متقلب، لا تكاد تعرف له قاعاً ولا سقفاً.

وفي الشهر المنصرم أدت حملة الشعبويين في المملكة المتحدة البريطانية إلى انفصالها عن الاتحاد الأوروبي. حدث له ما بعده أكيد، لكن سياسيا شعبويا مثل بوريس جونسون Boris Johnson وزير الخارجية الحالي وعمدة لندن السابق، لا يبالي بكل ذلك حين وصف في أول ظهور علني له بعد تعيينه الاستفتاء بـ "انتفاضة شعبية كبيرة ضد نظام بيروقراطي قديم خانق أصبح تشبُثه بالديمقراطية غير واضح".

الغريب والعجيب في الآن هو أن يتفق اليمين واليسار على اعتماد الخطاب الشعبوي، قبل أن تلتحق بهم بعض أحزاب تيار الوسط التي استخدمته أخيراً جراء موجات الجهل والخوف من ناحية، وحفاظا على قواعدها الانتخابية وجماهيرها من ناحية أخرى.

يُصاب المرء بالحيرة وكثير من الإلباس عند حديثه عن الشعبوية؛ إذ كيف له أن يستوعب شعبوية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين Vladimir Poutine من حزب روسيا الجديدة ذي التوجهات اليمينية المحافظة، الذي يرى معارك الجيش الروسي في أوكرانيا وسورية مقدسة، مستعينا برئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذوكسية لتعميد ومباركة المقاتلين والأسلحة.

قياسا إلى شعبوية الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز Hugo Chávez من الحزب الاشتراكي الموحد الذي حكم البلاد لعقد ونصف بخطاب قوامه دغدغة مشاعر الناس وعواطف الشعب. ومعهما الرئيس الإيطالي الشعبوي الأسبق سيلفيو بيرلوسكوني Silvio Berlusconi الذي بدأ حياته السياسية اشتراكيا ضمن صفوف الحزب الاشتراكي الإيطالي عام 1977 ثم انتهى إلى وسط اليمين عام 2009 بتأسيس حزب شعب الحرية.

المد الشعبوي قادم لا محالة، فحزب "البديل من أجل ألمانيا" الذي أسِس عام 2013، يحصد في المقاعد الانتخابية تباعا في الولايات الجرمانية.

و"حركة الشاي" التي بدأت نشاطتها سنة 2009 في الولايات المتحدة الأمريكية أضحت لاعبا سياسيا مهما في الشأن الداخلي الأمريكي. أما أعضاء "حركة الخمسة نجوم" الإيطالية التي تأسست على يد الكوميدي بيبي غريللو Beppe Grillo فوصلوا إلى رئاسة مجموعة من البلديات في مقدمتها العاصمة روما.

ذات المد الشعبوي أوصل رودريغو دوتيرتي Rodrigo Duterte إلى رئاسة دولة الفلبين في الانتخابات التي شهدتها البلاد في أيار (مايو) المنصرم، المعروف في الإعلام المحلي بـ "ترامب الشرق"، وهو الذي صرح غير ما مرة في حملته الانتخابية قائلا "انسوا حقوق الإنسان، إذا تم انتخابي رئيسا للفلبين فسأفعل كما فعلت أثناء إشرافي على مدينة دافاو".

صفوة القول، أن أهم عبرة لنا أن نستخلصها من موجات الشعوبية المتصاعدة في عالمنا هي تلك المتعلقة بأزمة الديمقراطية التمثيلية.

فالشعبوية، كما يقول أحدهم، ظاهرة انتقالية سطحية ومؤقتة، تبرز في إطار أزمة عامة ووضع سياسي اجتماعي يصعب احتماله بالنسبة إلى الأكثرية. إنها جرس إنذار عال أكثر منه انفجارا يدمر كل شيء معه.. فهلا تنبه عقلاء السياسية في العالم إلى إصلاح تلك الأعطاب قبل خدش كبرياء التاريخ بظواهر مثل النازية والفاشية.

الأكثر قراءة