قراءات
الخطاب الديني في الفضائيات العربية
ما طبيعة التدين الجديد؟ وكيف تشكّل؟ وما سرّ الانتقال من الدين إلى التدين؟ وما مكوّنات التديّن المرتكز على الفرد؟ وكيف بدأت ظاهرة الدعاة الجدد الذين يروجون لثقافة دينية تلتقي حولها كلّ الأطياف الاجتماعية، الميسورة منها، والمتواضعة الإمكانات، كما الفقيرة على حدّ سواء؟ وما مدى نجاح تقديم الدين إعلامياً، بعدما كان مقتصراً على حلقات المساجد واللقاءات التوجيهية في الحسينيات؟ وهل انفجار أعداد الفضائيات الدينية في العالم العربي، نتيجة تنامي الحاجة إلى الدين كرمزٍ للهوية؟ أوكملجا للاحتماء من انفتاح المجال واسعاً لعولمة تنقل السلع المادية واللامادية الغربية؟ أم نتيجة نشاط الحركات الإسلامية في نشر الدعوة، ومواجهة الأطراف الدينية الأخرى المنافسة لها؟ وهل تعاظمُ العداء للإسلام والمسلمين في الغرب، استدعى تأسيس فضائيات دينية تقدم برامج باللغات الأجنبية، تعطي صورة إيجابية عن الإسلام للجمهور الغربي؟
وصف الكتاب حال الفضاء الإعلامي الديني، ليس كمجموعة قنوات تبثّ من هذا القمر الصناعي أو ذاك، بل باعتباره مؤشراً على بروز الحاجة إلى إشباع الجانب الديني/الروحي.
#2#
التجربة الدينية بين الوحدة والتنوع
إن مفهوم التجربة الدينية يتمثَّل في تفاعل الفرد والمجموعة عبر التاريخ مع الظاهرة الدينية ذات المرجعية الواحدة، سواءٌ على صعيد الرؤية والتمثل أو التعاطي والممارسة أو الاستلهام والإبداع أو الفكر والنظر. كما تروم هذه المقاربة التركيز على ظاهرة التنوع في تلك التجربة، على الرغم من انتسابها إلى مرجعية واحدة هي بمثابة المستند العقائدي المشترك أو النواة الجامعة والموحدة. وقد حاولنا في هذه الورقات أن نعرض على نظر القارئ النبيه بعض النماذج الممثلة لهذا التنوع في الوحدة، انتخبناها من التراث الديني لحضارة الإسلام، وأولينا فيها اهتماماً خاصاً بإسلام الوُعَّاظ وإسلام الفقهاء وإسلام الصوفية والإسلام الطرقي، وانتقينا من خلالها ألواناً من الخطاب، منها ما اعتمد العقل، ومنها ما استلهم الوجدان، مع التركيز على كل ما تميزت به تلك الخطابات من أبعاد فكرية وإبداعية. وإذا ما كانت تلك النماذج المعروضة من التجارب الدينية الإسلامية خاضعة في تشكلها وصياغتها لمنطق تلك التأويلية الكلاسيكية ومناهجها المختلفة، فإن منهجنا في تحليلها وتقويمها يستأنس بالرؤية الحديثة لمفهوم القراءة، ويخضع للشروط العلمية والموضوعية في التعامل مع التراث، وهو ما سوغ لنا تصدير هذا الكتاب بمحاولة الإجابة عن السؤال الآتي: كيف نقرأ التراث؟
#3#
الدين والتدين
يقدم الدين ذاته كحقيقة مطلقة قادمة من خارج الاجتماع، غير قابلة للتغيّ، في حين يشير تاريخ الأديان التوحيديّة إلى ارتباط وثيق بين الدين والاجتماع. النموذج الأوضح هو التشريع الذي يدخل في صلب البنية الدينية. لكن هل يمكن للقانون الذي يعالج معطيات نسبيّة ومتغيّرة، أن يكون جزءاً من الدين كـ “حقيقة مطلقة”؟ إن النص الديني “الصحيح” يتضمّن ما هو مطلق ثابت يمكن وصفه بأنه من “الدين في ذاته”، وما هو اجتماعي قابل للتغيّر، ولا يجوز إلحاقه بالدين في ذاته. الإيمان بالله والأخلاق الكليّة، وحدهما، المطلق في الدين. أما التشريع، فمرتبط بالتاريخ. وعلى امتداد هذا التاريخ، تراكمت حول النص منظومات من الرؤى والمفاهيم والأحكام، مكوِّنةَ ثقافة دينية أوسع من منطوق البنية الدينية التي يحملها النص. وصارت مفردات من هذه الثقافة التي أفرزها التديّن جزءاً من “الدين في ذاته”؛ أعني البنية الدينية ذات الطبيعة المطلقة، ومن خلالها تسربت إلى الدين عقائد وتكاليف ذات أصول ودوافع سياسية واقتصادية، فضلاً عن نزوعات الغرائز البدائية التي تدفع إلى الكراهية والقتل. على مستوى الديانات الثلاث، وفي كثير من الحالات، كان هذا التسرّب يتّخذ شكل النص؛ أي الوحي المنحول على الله عمداً أو على سبيل الخلط الناجم عن تداخل المفاهيم. هكذا أدّى التديّن إلى تضخيم الدين، إذ صار ما هو اجتماعي أكبر مما هو مطلق في منطوق البنية الدينية التي تعمّم على مكوناتها، تلقائيّاً، صفة القداسة المؤبّدة.