«التواصل» .. رغم تعدد وسائله يبقى عصيّا على التحليل

«التواصل» .. رغم تعدد وسائله يبقى عصيّا على التحليل
دور اللغة منح الإنسان مجموعة من الإشارات المختلفة والمركبة، لا أقل من ذلك ولا أكثر.

التواصل؟ مسألة بديهية ونشاط عادي؛ إننا كائنات تتواصل في اليقظة كما في بعض الأحلام أيضا. وكما نتواصل كلاميا نتواصل باستعمال الإشارات، والملامح المعبرة، والكتابات، وأنماط السلوك، وأشكال اللباس. ورغم أن كثيرا من أنواع الكائنات الأخرى يتواصل، فلا نوع منها يعير التواصل نفس الاهتمام الذي نعيره إياه نحن، أو يملك قدرات مماثلة لما نملكه. كما لا نوع منها يستطيع أن يتواصل بمضامين على نفس القدر من الغنى والتعقيد مثلما نستطيع.
إننا نتواصل تلقائيا، وفقا لورقة أعدها الباحث المختص دان سبيربر، ونقلها إلى العربية عبدالعزيز بنعيش، وإن كنا نفكر فيما يُمَكّننا من التواصل، وبنسبة عالية جدا في معظم الأحيان، كما نتواصل بشكل قد تشوبه إخفاقات وتميزه محدودية. إننا لا نشرع في التفكير، بوعي، في الصعوبات والعراقيل التي تََحُول دون تمام التواصل إلا في حالات الفشل. أما في إذ ينجح تواصلنا فإننا ننظر إليه باعتباره أمرا عاديا، ولذلك لا يثير التساؤل. ولكن، على هذه البداهة، كيف يكون التواصل ممكنا؟ إن هذا النشاط العادي الذي نمارسه بكل سهولة يبقى بالنسبة إلى المُنَظر، أو عالم النفس، أو اللساني من الأمور التي تستعصي على التحليل؛ إن السهولة التي نتواصل بها قد تُخفي وراءها مشكل التفسير الذي تطرحه هذه السهولة ذاتها؛ ففيم يتمثل هذا المشكل؟ الجواب أنه عندما نتواصل تكون لدينا فكرة، فإذا أفلحنا في التواصل فهذا يعني أنه قد أصبحت لمستمعينا فكرة أيضا، فإن لم تكن هي فكرتنا بالضبط، ففي جميع الأحوال مماثلة لها بالتقريب، أو هي نسخة للفكرة التي أردنا إيصالها إليهم. إن الافكار كائنات تتولد في الذهن، وفيه تحيى وتموت، ولأجله لا تَبْرَحه أبدا، لأنها حالات ذهنية تتبلور في الدماغ، وليست موضوعات أو خصائص تابعة للمحيط أو البيئة المشتركة بين الكائنات البشرية.
وإذن، كيف يكون متأتيا لنا أن ننقل إلى الآخر، أو نقاسمه، شيئا كائنا في دماغنا ولا يمكن له أن يفارقه؟
يمكن الحديث بخصوص هذا الإشكال عن نظرية غاية في البساطة، نظرية تبدو قادرة على تفسير إمكانيات قيام التواصل؛ ويمكن أن نطلق على النموذج الممثل لها "نموذج السَّنَن" حيث الأمر يتعلق بالتصور التالي: إن ما يُمَكن من تقاسم الأفكار رغم كونها كيانات ذهنية–جوانية هو امتلاكنا لسَنَن "قانون" مشترك. ولكن ما السنن؟ إنه ببساطة نسق يُمَكن من قرن معنى بعبارة، رغم اتسام هذا المعنى بطابع تجريدي لارتباطه بالذهن، بينما تتسم العبارة بطابع مادي لكونها لا ترتبط بالذهن إنما بما هو مادي خارجي؛ أو بصيغة أخرى قرن رسالة داخلية تتعلق بمفهوم بإشارة خارجية تتعلق بالأصوات التي تبث آن الخطاب. فإذا كنا نمتلك سَنَنا، ويمكن التمثيل له بلائحة من الأزواج في حالة كون السَّنن بسيطا، أو بنحو إذا تعلق الأمر بسنن أكثر تركيبا وتعقيدا، يُمَكن، هذا السنن، من ربط كل معنى نريد إبلاغه بعبارة تدل عليه، وبالعكس ربط كل عبارة بمعنى يصبح مرتبطا بها، فإنه يمكن لكل مرسِل يريد إبلاغ معنى أن يختار العبارة التي تتناسب وهذا المعنى، ويرسلها في المحيط المشترك المتقاسم مع المرسَل إليه الذي يمكنه، لامتلاكه نفس السنن، أن يتعرف العبارة، ويجد لها المعنى الذي يناسبها في النسق الذي تنتمي إليه أو في الذاكرة. هكذا، إذن، سينتقل المعنى أو الفكرة من مرسِل إلى مرسَل إليه.
وهكذا يصل سبيربر بعد طرح عديد من الأمثلة إلى أن التواصل القائم على القدرة على إدراك الآخر باعتباره كائنا تُوَجّهه حالات ذهنية سيبقى متخلفا نسبيا إلى أن تظهر وتتطور الألسن البشرية. بالتأكيد يكون التواصل الاستنتاجي ممكنا دون لغة، ولكن بفضل اللغة تتضاعف القدرة التعبيرية بصورة مدهشة. إن دور اللغة في التواصل حيث المراد هو إيصال المعنى المقصود هو أن تعمل على منح الإنسان مجموعة من الإشارات المختلفة والمركبة من هذا المعنى بشكل ثري جدا. أكرر مرة أخرى: إن دور اللغة ليس إلا هذا، لا أقل من ذلك ولا أكثر.

الأكثر قراءة