«مرآة المجتمع» تباع وتشترى كالبضائع العابرة
يعتبر الفن ذاك النِتاج الإبداعي للبشر وتعبيراً حرّاً عن مشاعر قادمة من حنايا الذات، نسْج الفكر والخيال، في أعمال ذات قيمة جمالية متميزة، سواء كانت مادية كالتصوير، السينما والرسم.. أو لا مادية كالكتابة والموسيقى.. إلخ. وهنا يتساءل الباحث والناقد عبدالحميد البرزالي: هل تنفصل الحرية في التعبير الفنِّي عن الوعي الأخلاقي والضوابط الفطرية لدى لإنسان؟ وهل هناك شروط تسمح للفن، داخل نظام اجتماعي يرى في الأخلاق معياراً محوريا لتقييمه، أن يتحلى بقيمته الجمالية في تأدية وظيفته؟ وهل يُمْكِنُ للفن أن يكون لا أخلاقيا؟ ومتى يكون إذن الفن فنا؟
ليجيب: قد تتعدد ألوان الأسئلة في هذا السياق بقدر ما تتعدد وسائل ورسائل الإبداع الفني، بألوان يختلف طيفها باختلاف الترسبات الثقافية والمنظورات الفكرية للفنان، التي ترسم أحيانا دلالات متغيرة ومتحيزة للعمل الفني، ما قد يمنحه التباسا وغموضا محصورا في زاوية نظر معينة. إذ يعكس اللون التعبيري المستعمل، والمقصود هنا طبيعة ومادة الفن، الجانب الشعوري الباطني للفنان والانفعالات الداخلية المحتقنة في وجدانه.
فالألوان البهيجة والزاهية للعمل الفني الراقي أيا كان، تُشِعُّ بمشاعر نبيلة، منبثقة من ذات الفنان الطاهرة، تستطيبها حواس وروح المتلقي، ضافية متعة وانطباعا مهَذِّبا في وجدانه. أي أن طبيعة اللون الفني وأدواته تجسد ترجمة صادقة لنزعة الفنان الإبداعية، فإن كانت هذه الأخيرة إيجابية ذات الطابع الحسن، فإنها تصبو لتنوير العقول وتحرير الناس من أغلال الجهل والتخلف، أي تتجاوز الرسالة الفنية التي تحوي صورة الجمال في المتعة والتهذيب الروحي للفرد، بأخرى في قوالب غائية تعالج مواضيع وظواهر من مختلف مناحي الحياة، بصيغ جمالية راقية وسلسة يسهل إيصالها إلى المواطن، مع احترام القيم العامة للمجتمع الواحد، بل السمو بها وإغنائها بالقيم الجمالية ذات البعد النبيل وكل ما هو نفعي للشأن العام ولثقافة المجتمع. لأن الفن "يؤثر في أخلاق الإنسان ومن ثم في النظام الاجتماعي" كما جاء على لسان أرسطو (كتاب السياسة) . فالفنان ذو الضمير والطينة الحسنة، يعكس بنظرته الذاتية للأشياء ما يسكن في ثنايا نفسه الطيبة في إبداعه، بصيغ جمالية متناثرة في صور الخير والفضل تآلفا مع الفطرة السوية للإنسان.
من أثر الفن هو كل ما يؤجج المشاعر الباطنية لمتلقيه ويثير بذلك اللذة، لا الغريزة والفُجر، ويخلق المتعة لقيمته الجمالية، ليس التقزز والشَّر، فجمالية الفن بطبيعتها، تفوح بسيم أخلاقية تخدم القيم الإنسانية ولا تتناقض مع مبادئ الفطرة فيها، حيث إن الانطباع الذي يخلفه الفن في وجدان المتأمل، قد يحرك أحاسيس الحب لديه ويستنهضه لفعل الخير وكل ما هو نفعي له وللآخرين. ومن هنا، يكون للفن شأن في تكريس ثقافة فعل الخير في الأنفس والآفاق. ويجدر الذكر أنه إذا كانت المشاعر الجياشة والخيال الواسع تشكل أرضية خصبة للإبداع الفني، فلا براح، أن للفكر والضمير دورا فعالا في تمحيص نفاسة الفن من كل ما هو ليس من شيم فطرة الإنسان السليمة. هنا، أصاوب أبا نصر الفرابي حينما يقول "فإذا كانت الأشياء التي تستنبط هي أنفع الأمور في غاية ما فاضلة كانت الأشياء التي تستنبط هي الجميلة والحسنات. وإذا كانت الغايات شروراً كانت الأشياء التي تستنبط بالقوة الفكرية شروراً أيضا وأموراً قبيحة وسيئات." (كتاب تحصيل السعادة). عليه، فإن النفس الزكية لا يتسنى لها ترجمة صفات القبح كالميوعة والسماجة إلى قيمة ثقافية سامية يوزن بمعاييرها إنتاج إبداعي كالفن. وبالتالي، فإن الإبداع الفني الأصيل هو كل ما يزهو بنور الجمال بمختلف أطيافه، تناغما مع خصل فطرة الإنسان السوية، ولا سيما الذوق العام لمجتمع ذي وجدان ديني أخلاقي متجدر فيه.
ويخلص البرزالي إلى أن الفن هو مرآة المجتمع كما قال أحدهم، إلاّ أن هذه المقولة قد تفقد بعضا من المصداقية، خصوصا عندما أصبح بعض "تجار الفن" يتسترون وراء مرآة أصبحت اليوم تباع وتشترى كالبضائع العابرة. فما أصبح يُقَدَّمُ اليوم من طرف بعضهم من أعمال سينمائية وموسيقية هابطة وما ظلّ يسكن الشاشة من مسلسلات مدبلجة تتفيهية وما يُستعرض على منصات بعض المهرجانات من نشاز؛ يتراءى في جل صور العنف، الإجرام والموبقات داخل المجتمع. صور ملحوظة على مرآة تعكس في الأصل أرواح من يتحملون مسؤولية رسالة الفن على عواتقهم. وبالتالي، فإن أقصى وأقسى ما وصل إليه اليوم البعض من الذين يتحكمون في دواليب أمور الفن، وآخرون وصل بهم الأمر ليلقبوا أنفسهم بكلمة "فنانين"، أن يستعرضوا أشكال الميوعة والنشاز على محاريب شييد جلها بعرق جبين ضحية اسمه "المال العام"، باسم الحداثة وحرية التعبير الفني، فإنهم يسيئون بهذا إلى منظومة قيم متأصلة عند المواطن، فما بالك بقيم أمة جمعاء، ترى في الأخلاق نوراً يضيء طريقها إلى النهوض بحضارتها من جديد بعد كبوة دامت قروناً من الزمن.