نور الدين فرح: تمنيت لو كنت قادرا على البكاء مثل طفل
قديما قالوا "لولا القاضي عيّاض لما عُرف المغرب"، وبقليل من التحوير نُعيد ذات الصياغة اليوم فنقول "لولا نور الدين فرح لما عُرف الصومال". نعم فقد كانت لهذا الأديب المغترب والروائي المنفي قسرا عن وطنه أفضال جمة، في إخراج هذا البلد العربي الإفريقي من إطار تلك الصورة النمطية التي ألفناها عنه في نشرات الأخبار؛ حول شبه الجزيرة الصومالية أو ما يعرف بالقرن الإفريقي، المنحصرة في ثلاثية الحروب الأهلية، القرصنة البحرية والمجاعات والأوبئة.
تولى هذا الروائي العالمي مهمة التعريف بهموم وطنه، وإماطة اللثام عن جوانب أخرى من الفسيفساء الغنية التي يتَّسم بها الصومال، بعيدا عن تلك النسخة السوداء الرثة المتداولة عنه في وسائل الإعلام. فعاشق الثلاثيات قرر أن تكون أحداثها وشخصياتها عن وطنه الأصلي الذي أراد له أن يظل على الدوام مدار أعماله، التي يراها "مجرد رواية طويلة تدور أحداثها في مكان واحد هو الصومال رغم أنها تباع كروايات منفصلة".
"البلد الذي أتحدث عنه في كتبي هو بلد أحلم به، وتدور أفكاري حوله"، بهذه العبارة تُفسر هذه القامة الأدبية الإفريقية الكبيرة قُدرتها على المضي قدماً في الكتابة عن وطن غادره قسراً بعد ثلاثة عقود، عندما قرر عدم المخاطرة بالعودة، بينما كان في رحلة إلى إيطاليا بعد أن أغضبت أعماله الديكتاتور الصومالي حينئذ محمد سياد بري.
تنوع الروافد
ولد فرح في عزِّ الحرب العالمية الثانية؛ عام 1945، في منطقة بيداو في الجنوب الصومالي الذي كان خاضعا للاستعمار البريطاني، بعدما كان تحت سيطرة الحكم الفاشي الإيطالي. انتسب في طفولته إلى بعثة مسيحية انغلوفونية؛ وهكذا وجد هذا الصبي نفسه في المدرسة الإنجليزية صباحا، وفي المدرسة الدينية الإسلامية بعد الظهر، فاجتمع لديه منذ الصبا الإنجيل والقرآن معا، وتعايش فيه شكسبير مع شعراء عرب آخرين.
وفي الوقت ذاته كان الطفل يشرب من معِين التراث الشفهي المحلي الصومالي والإثيوبي، فقد كانت والدته شاعرة شعبية بارعة في تأليف الأغاني والمدائح في المناسبات المحلية "أعراس، ختان،..."، وكانت تُحفِظُه من حين إلى آخر بعضا من إبداعاتها الغنائية عن ظهر قلب.
جاءت فرصة السفر إلى الهند في منحة تعليمية لدراسة الأدب والفلسفة، كي تمنح الرجل فرصة لصقل ما تبقى من شخصيته من الرافد الثقافي الآسيوي والفلسفة الهندوسية، بعد أن امتزج فيها الجذر الإفريقي والعربي بالرافد الغربي الأوروبي.
وفاء أبدي
لم تؤثر تلك النشأة بما فيها من تعددية، ولا التنقل المستمر للأديب بين دول عديدة "الهند، إيطاليا، بريطانيا، النيجر، جنوب إفريقيا..." بثقافاتها المختلفة في وفاء نور الدين الأبدي للصومال في كل أعماله الإبداعية، ما جعله منذ السنة الماضية في لائحة الأسماء المرشحة لجائزة نوبل للآداب.
فأبطال رواياته وفضاءاتها وأحداثها لا بد أن يستأثر الصومال فيها بحصة الأسد، إن لم تكن كلها لهذا البلد الذي ظل متوقدا في ذهن الأديب. فثلاثية "دماء في الشمس" التي تُعد رواية "خرائط" (1986) باكورتها إلى جانب "الهدايا" (1992) و"أسرار" (1998)؛ التي حاز بفضلها جائزة نوستادت Neustadt العالمية للأدب عام 1998؛ ثاني أهم جائزة أدبية بعد "نوبل"، كانت كلها عن الأزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الدائرة في الصومال، وأسئلة الهوية وقضايا المرأة ومشكلات الطفولة، وذهب بعض النقاد حد اعتبار فرح الناطق باسم الفئات المهمشة في الصومال: المرأة والطفل. وقبلها ثلاثيته الأولى "تنوعات في دكتاتورية إفريقية" التي تتألف من "حليب حلو ومر" (1979) و"السردين" (1981) وأخيرا "اغلق يا سمسم" (1983)، أما حياته الروائية فقد استهلها عام 1965 بروايته "لماذا الموت بهذه السرعة"، ثم أردفها إصدارا ثانيا بعنوان "من ضلع أعوج" (1970)، ثم رواية رواياته "الإبرة العارية" التي أوقعت بينه وبين السلطات الحاكمة في الصومال، مجبرة نور الدين فرح على البقاء في منفى إجباري بعيدا عن وطنه وأهله حتى إشعار آخر هربا من حكم الإعدام الغيابي في حقه.
هموم الوطن
«كنت أتمنى أن أكون شاهدا، كاتبا يكتب شهادته في الوقت الذي تمزقت فيه مقديشو إلى أشلاء مثل لعبة طفل، ومثل طفل تمنيت لو كنت قادرا على البكاء المباح وهو ما فعلته بعيدا، وبصمت في غرفتي في الفندق»، هكذا يصف فرح لحظات العودة إلى حضن الوطن لأول مرة بعد غياب دام عقدين وسنتين.
ذاك الوطن الذي لازم الأديب في الإقامة والترحال بين العواصم العالمية، لاجئا أو مدرسا أو سائحا... فقد زاوج الكاتب في حياته ما بين التنزه وسط ناطحات السحاب والأكواخ الصغيرة، بين تعقيدات الحياة الما بعد حداثية وبساطة العيش الإفريقي. وعلق على ذلك قائلا "لم تكن حياتي مستقرة مطلقا، لهذا السبب في الحقيقة، يهمني العيش في إفريقيا ويلهمني. أحب فيها تناقضاتي، لأنني أسافر دائما بين عقليات متناقضة، وثقافات متناقضة، بين التجانس والتغاير".
ذات مرة سُئل فرح عن اللعبة السياسية في بلده فقال "لا أتحدث عن السياسة مباشرة إلا نادرا"، غير أن قارئه سيجد له مواقف جلية مما تشهده الصومال، إذ يكفي أن تفتح أحد أعماله لتطالعك نفحات السياسية بأسلوب أدبي ماتع يأسر قارئه. أهناك أكثر من هذه السياسة عندما يقول الكاتب على لسان أحد أبطال إحدى رواياته "امنح الآخرين الفرصة لقول روايتهم، وستجد أن الكثيرين سيبوحون بآلامهم الخاصة والعامة. الجميع يعتقدون أنه تم استغلالهم من قبل الديكتاتور، الذي ضغط عليهم وحاصرهم في الركن. اسألهم عن مشاركتهم في مواجهة رجل واحد مستبد، معظمهم لا يمكنه إنكار الانسحاب من المواجهة".