أبها .. الفن بألوانه والمطر بمظلاته في شارع واحد

أبها .. الفن بألوانه والمطر بمظلاته 
في شارع واحد
إشاعة الجمال من شأنه إضفاء الكثير من الحصانة الثقافية والبصرية للشباب.
أبها .. الفن بألوانه والمطر بمظلاته 
في شارع واحد
في «شارع الفن» تختلط رائحة الألوان بعبق المطر والبنفسج والشجر.

لطالما كان الفن حكرا على نخب من المبدعين والمتذوقين في قاعات خاصة واحتفاليات رسمية محدودة، إلا أن أبها المدينة السعودية الجنوبية الوادعة كسرت هذا العام هذه القاعدة لتتشارك مع فنانيها وزوارها الفن واللون والمطر على طول أحد شوارعها المخصص للمشي، في مبادرة فنية حشد لها كثير من فناني المنطقة وآخرون من خارجها أدواتهم وإبداعاتهم لتكون أمرا مشاعا يتقاسمه الجميع، صغارا ورجالا، نساء وأطفالا، "فليس بالخبز وحده تحيا الأمم بل بالفن والجمال أيضا".

لتختلط رائحة الأصباغ الملونة بعبق المطر والبنفسج والشجر. ولتعانق همهات الكبار ضحكات الصغار، في لوحة تشكيلية "مجتمعية" تتزين بألوان فن "القط العسيري" المميز، لوحة تفاعلية لا تقل في جمالها عن لوحات صغيرة متفرقة هنا وهناك أبدعت بعضها أنامل المحترفين، وصاغت بعضها الآخر محاولات الأطفال والشباب التواقين لعوالم اللون والفن.

ففي "شارع الفن" الأبهاوي يد الكبير تأخذ بيد الصغير واضعة أولى اللمسات لـ "مجتمع حيوي" تنادي به "رؤية الوطن 2030" وقادته كهدف من أهداف التحول نحو الإنتاج والابتكار للخلاص من تبعية "الريع" و"الاستهلاك". وطن واحد وسواعد متعددة في العطاء والجمال.

تتعدد القصص التي جمعها هذا الشارع بعدد فنانيه ورواده. فهناك فتاة تخلد ذكرى والدها رب الأسرة الصغير برسم تستحضر فيه نظرته وابتسامته الأثيرة على قلبها، وهناك آخر يعبر عن الولاء لرب الأسرة الكبيرة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز باستحضار عزمه وحزمه. وفي مكان ثالث ليس بالبعيد يزدان الطريق بعبارة "دام عزك يا وطن" تتماوج حروفها وتلتئم باللونين، الأبيض والأخضر، وحدة وجمالا.
#2#
"والفعل الفني خصوصا والثقافي عموما، كما يجب ألا يحصر في مدارسه ومناهله وثقافاته، يجب أيضا ألا يبقى مقصورا على نخبه ولا مقيدا في أنديته وجمعياته المتخصصة". حقيقة يعيد لها شارع الفن في أبها اعتبارها، فنزول هذا الفعل للشارع وتفاعله مع اليومي والعابر من حياة الناس فيه إثراء للمشهدين الثقافي والإنساني بوصفه مصدر إلهام متجدد للفنان، ومتعة وفائدة للمتلقي. إشاعة الجمال وقيمه الإنسانية في ظل محيط خارجي يعج بفوضى الإرهاب وثقافة الدماء. لا شك أن من شأنه إضفاء الكثير من الحصانة الثقافية والبصرية لجيل حالي وآخر قادم تأخذه هذه الأعمال والفعاليات بعيدا عن بؤرالتأجيج ومكامن التحريض التي طالما حشدت وجيشت لكثير من الدمار والخراب.

ولأن الجمال بالجمال يذكر، والفن بالفن يتسامى ويعضد، تذكر هنا تجربة رائدة مشابهة ليست بالبعيدة لمدينة عربية مغربية "أصيلة" بالاسم والمعنى، بدأت منذ نهاية التسعينيات الميلادية إضفاء الطابع الفني على شوارعها وأزقتها لتحصد في أيامنا هذه كثير من الإشادات الإبداعية عالميا وعربيا. يقول الكاتب محمد الزبيري بعد زيارته لها: "لقد أصبحت مدينة أصيلة محراب الفكر والفن بامتياز، وقبلة لكل رواد الثقافة والفن ومحبيه من كل أرجاء المعمورة؛ فيأوي إليها الجميع عند كل صيف، سواء بموعد أو من دونه؛ عندما يستريح النور على شاطئ البهجة والحبور، وتزهر الألوان في حدائق الفن بتلات إبداع، ينثرها في حضن كل الأزقة وعلى صدور كل الجدران وجدان فنان".

يبقى أن شارعا بهيّا يحتفي بالفن، وفنا يؤاخي بين الناس ليشيع الإبداع والفرح والسرور، ليس حدثا ثقافيا عابرا بعمر الزمن، ولا عملا سياحيا صرفا، إنما فعل ثقافي فارق يشكر من بادر إليه وعمل عليه. وفي انتظار ما يتفرع عنه من مبادرات وفعاليات فردية وجماعية، حتى يدعى لغيره ومثله كثير باسم الوطن وبروح الفن والمحبة والسلام.

الأكثر قراءة