قراءات

قراءات

تاريخ الفلسفة

هل يتعين على الفلاسفة أن يهتموا بتاريخ الفلسفة؟ عندما تريد إعادة قراءةِ الـ 100 سنة الأخيرة من الفلسفة الغربية يجب أن تكون قراءة نقدية، إذ يستحيل عليها أن تقدم نفسها كقراءة «محايدة» أو «غير ملتزمة». لأن التاريخ، أو إعادة البناء، هو طريقة واحدة من بين طرق عديدة أخرى لقراءة النصوص. كما يعتقد البعض أن الفلسفة ليس لها تاريخ، وأنها تمثل التعميق الأبدي لسؤال واحد لم يحظ أبدا بإجابة نهائية: ذلك أنه يتعين على أي فيلسوف أن يبدأ كل شيء انطلاقا من الصفر. ولأنه يعتقد أن المكانة التي تشغلها الفلسفة هي مكانة علم مستقل بذاته ومحكوم عليه أن يتقدم بخطى بطيئة، لكنها ثابتة: وبذلك ستكون دراسة أخطائه الماضية أقل جدوى من البحث عن حقائق جديدة. لذا فقد حصر الكاتب حقل دراسته في الفلسفة بمعناها الدقيق، وذلك رغبة منه في الحفاظ على تماسك هذه الدراسة. إذ لا يمكن للقارئ أن يعثر هنا على معلومات خاصة بما يسمى العلوم «الإنسانية» أو «الاجتماعية» إلا إذا بدت الإحالة إليها ضرورية: كاللسانيات والعلوم المعرفية وعلم الأخلاق وعلم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والتاريخ والإتنولوجيا والأنثروبولوجيا. وكان ملزما، للأسباب نفسها، بالاقتصار على «أهم» الفلاسفة الذين أسهمت كتاباتُهم في تغيير شكل هذا «المجال المشترك» تغييرا جوهريا. وإذ لم يستحضر بالقدر الكافي، بعضَ الأعمال الرائعة في هذا الكتاب، فإن ذلك لا يرجع إلى «نسيان» أو لامبالاة، بل إلى أنه لا يمكن أن يقحمها دون مَكْر وتصنع.
#2#

في الفكر العربي

ليست العودة إلى النهضة استعادة حلم استيقظنا على زواله، بل عودة إلى تاريخ قريب شكل مرحلة انتقالنا إلى الاستعمار بكل أشكاله المعروفة. تفرض العودة إلى عصر النهضة الإجابة على سؤالين: لماذا تخلف الشرق العربي عن السير في طريق التقدم الرأسمالي المستقل؟ وما سبل الاستقلال المنشود؟ في الإجابة على هذين السؤالين، تنبسط أمامنا شبكة من المشكلات من طبيعة سياسية واقتصادية وثقافية وقومية وعالمية. إننا إذ نرفض واقعنا المعاش، نرفضه كدورة في تاريخ كان يجب أن يمر بمثل ما مرّ به، ونسعى لأن ننتقل من التأمل السلبي لمظاهر الركود الشامل إلى الفعل الإيجابي بتجاوز هذا الركود. ربما يطرح كلامنا سؤالا مهما يُصاغ في صورة اتهام بنزعة إرادية. ألا ينفي قولنا السابق قانونية العملية التاريخية التي أفضت إلى تحول الشرق إلى تابع وهامشي على مستوى العملية التاريخية العالمية؟ مخطئ من يظن أن العملية التاريخية، تنحصر بالإطلاق في قوانين صارمة، إن قوانين التطور التاريخي تفرض علينا شيئا مهما، وهو كيف نتحرر من فعل القوانين الهمجية التي أفضت بنا إلى هذا المستوى من التطور... ويجب أن نميز بين الضرورة التي جعلت التاريخ يسري على نحو من الأنحاء، الضرورة كثمرة جملة من الأسباب المتبادلة، بكل ما تنطوي عليه مصادفات لا تتكرر، وبين وعي الضرورة كشرط أولي للتحرر منها. ليست الحرية وعيا للضرورة إطلاقا، بل الانتقال من وعي الضرورة إلى التحرر منها بالممارسة العملية، بالفعل الثوري.

#3#
المظاهر اللغوية للحجاج

صحيح أن التصور الذي جاءت به الخطابة الجديدة يجسد ثورة حقيقية في فهم العلاقة بين الإنسان والعالم، وخطوة متقدمة في الكشف عن حقيقة التفاعل الذي يحدث بين الذوات المتواصلة عموما، والمتفاعلة حجاجيا على وجه الخصوص، إلا أنه لم يصل مع ذلك إلى حد الوفاء بطموح “ديكرو” و”أنسكومبر” فيما يخص طبيعة العلاقة بين الوقائع والخطاب في سيرورة التفاعل الحجاجي، لأنهما سيعلنان - على الأقل في مرحلة محددة من تطور هذه النظرية - أن الأمر لا يقف عند حدود علاقة ما،... فالبحث الفعلي في الحجاج بصورته التي تنعكس وتنطبع في الصياغة اللسانية للوقائع يكشف عن حقيقة أعمق من ذلك بكثير، وهي أن التمايز بين هذه الوقائع وصياغاتها اللسانية غير موجود أصلا، لأن اللغة في مجملها ليست سوى ترجمة للوقائع في سياق حركية حجاجية متصلة، أو بعبارة أخرى تحويل حجاجي للوقائع. هذا الكتاب يحاول أن يقدم صورة كلية عن أهم قضايا هذا التوجه، محاولا ما أمكن الجمع بين المنحى التأريخي في عرض سيرورة انبثاق ونمو هذه الأفكار وارتقائها عبر ما يزيد على ثلاثة عقود، والتناول النسقي في عرض أهم المسائل والأطروحات التي دافع عنها رواده. وقد جاء العمل في صورة تجميع وتنسيق للخلاصات والتقييدات والفوائد التي كنا نعلقها على نصوص هذه المدرسة، فأحببنا الإفادة مما صح منها، والإسهام في التداول حول ما قد يكون مثار نقاش وحوار، جريا على عادة درج العمل بها في الثقافة الغربية، ولا يزال حضورها ضعيفا في ثقافتنا العربية، وتتمثل في الكتابة المدخلية التي يكون الغرض منها تقريب المعارف والأفكار، باعتبار ذلك مقدمة ضرورية لفتح آفاق الخلق والإبداع.

الأكثر قراءة