جاكرتا مجددا؟

جاكرتا مجددا؟

وجد وزراء النفط في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) في حالة الغموض التي تلم بالاقتصاد العالمي إلى جانب الوضع السياسي والأمني المضطرب في بعض الدول المنتجة سببا كافيا لاتخاذ قرار بعدم تغيير السقف الإنتاجي. وفي الخلفية ذكريات اجتماع جاكرتا في أواخر العام 1997 عندما قررت أوبك رفع سقفها الإنتاجي بنسبة 10 في المائة إلى 27.5 مليون برميل يوميا، وهي الخطوة التي أعقبها مباشرة انهيار في سعر البرميل إلى عشرة دولارات فأقل في بعض الأحيان.

الإشارة الخاصة بذلك الوضع تعود إلى اجتماع وزراء نفط المنظمة الذي استضافته مدينة أوساكا اليابانية في يومي 18 و19 أيلول (سبتمبر) من عام 2002، عندما قرر الوزراء الاستفادة من اللقاء الذي ستشهده أوساكا لتجمع المنتجين والمستهلكين من خلال منتدى الطاقة وقرروا الاستمرار في المعدل الإنتاجي الذي كان سائدا وقتها.

بعد خمس سنوات بالتمام والكمال فإن المناخ الحالي والخيارات التي تواجه الوزراء تماثل ما كان مطروحا وقتها. ولهذا تنتظر الأسواق يوم الحادي عشر من هذا الشهر لمعرفة ما ستتخذه المنظمة من قرار وإلى أي مدى يمكن أن تلعب تجربة قرار جاكرتا دورا في دفع المنظمة إلى تبني جانب الحذر وعدم التورط في خطوة رفع السقف الإنتاجي تخوفا من رفع حجم المخزون أو زيادة المعروض في السوق وكلاهما يؤثر في هيكل الأسعار بصورة ما.

ورغم أن التاريخ يكاد يعيد نفسه خطوة بخطوة، لكن يلفت النظر هذه المرة أن الجديد يتمثل في اتساع الفجوة في حجم التقديرات للطلب على النفط بين ما تتوقعه الوكالة الدولية للطاقة من ناحية وما تقدره منظمة أوبك، كما أن بعض مراكز الأبحاث مثل المركز الدولي لدراسات الطاقة تتبنى موقفا متشائما فيما يتعلق بتوقعاتها على الطلب وضرورة القيام بخطوة ضخ المزيد من الإنتاج الآن وقبل حلول فصل الشتاء وذلك كي لا يتصاعد ترمومتر الأسعار ومن ثم يدفع بمعدلات التضخم إلى أعلى، الأمر الذي سيؤثر تلقائيا في حجم الطلب على النفط.

وهذه الفجوة أدت إلى حدوث حالة من الشد في السوق فيما يتعلق بالإمدادات وهل تكفي لمقابلة الطلب المتنامي. وفي مثل هذه الأجواء يصبح لأي زيادة أو نقصان تأثير في تحركات الأسعار، وهذا ما يفسر حالة التقلبات التي تعيشها السوق بصور متتابعة خلال الفترة الأخيرة.

لكن الأهم في تجربة جاكرتا إلى جانب اختلاف التقديرات بين ما هو مقدر والواقع الحقيقي الدور الذي لعبه الإعلام في دفع السوق إلى حالة من المزاج النفسي أسهمت بصورة رئيسية في تدهور سعر البرميل إلى معدل عشرة دولارات الذي بلغه في بعض الأحيان.

وقتها كانت "أوبك" لا تزال تتبنى استراتيجية زيادة حصتها في السوق بعد تجربة حرب الأسعار المريرة، حيث تخلت المنظمة عن عامل السعر نهائيا الذي أصبح مستهدفا ولم يعد أحد يهتم بعملية التسعير التي تقوم بها الدول الأعضاء لتصريف نفطها.

وبما أن الدول كانت تنتج وفق ما يتيسر لها ودون اهتمام بعامل السعر، فإن تحديد حجم السقف ورفعه 10 في المائة إلى 27.5 مليون برميل يوميا ترجمته السوق ومن باب قراءاتها للتغطية الإعلامية أن "أوبك" سوف تضخ في السوق 2.5 مليون برميل يوميا جديدة، بينما واقع الحال كان يشير إلى أن المنظمة تنتج بمعدل يماثل قرابة السقف الجديد، وأن القرار يعني في التحليل النهائي تقنينا للوضع القائم أكثر منه إضافة براميل جديدة إلى السوق.

على أنه من خطل الرأي تحميل الإعلام كل المسؤولية. فنذر الأزمة الآسيوية التي كانت تدمدم يفترض أن تجعل موضوع معالجة القرار والإعلان عنه أكثر بصورة أكثر حذرا خاصة والانطباع أصبح جزءا من عناصر الواقع الملموس وكيفية خلق الانطباع أو التصرف على أساسه أصبح من أساسيات اتخاذ القرار.

السوق تعيش حاليا وضعا تتقاطع فيه عوامل العرض والطلب إلى جانب الأوضاع السياسية والأمنية التي تلفها كلها حالة من الغموض وعدم وضوح الرؤية، الأمر الذي يجعل من الممكن اتخاذ القرار ونقيضه وكل بحيثياته. وفي مثل هذه الظروف يلعب الأعلام دورا متصاعدا خاصة مع تعاظم تأثير وسائل الاتصال وتفاعليتها بصورة لم يشهدها العالم من قبل، وهو ما أدى إلى أن تلعب التخمة الإعلامية دورا يماثل ما كان يلعبه الشح في الإعلام والمعلومات. والنتيجة في الحالة الأولى تضارب وفي الأخرى أظلام، والخلاصة صعوبة واضطراب في اتخاذ القرار.

سكرتارية منتدى الطاقة التي تستضيفها الرياض تبذل جهدا كبيرا لتوحيد المعلومات لأكثر من 90 دولة منتجة ومستهلكة للنفط من خلال المبادرة المشتركة لقاعدة المعلومات النفطية المعروفة اختصارا (جودي)، لكن تبقى الخطوة التالية والأهم وهي كيف يمكن أن تجد هذه المعلومات طريقها إلى وسائل الإعلام وللمسؤولين لتكون أساسا موحدا ومعتمدا لاتخاذ القرار.

الأكثر قراءة