رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المتقاعدون .. هموم وتطلعات

[email protected]

نلحظ في هذه الأيام نشاطاً ملحوظاً للجمعية الوطنية للمتقاعدين وفروعها في جميع أنحاء المملكة، وإذا قسنا تاريخ الجمعية بالسنوات نجد أنها تمتد لأكثر من 40 عاماً حينما تأسس في عام 1966 في العاصمة الرياض نادي الرياض الاجتماعي، وفي تلك الأيام كانت أعداد المتقاعدين تنحسر شيئاً فشيئاً لأن المتقاعد كان يفضل أن يعود إلى مدينته أو إلى قريته والتي لا يوجد بها فرع للجمعية، ولكن في هذه الأيام فإن الأعداد أصبحت قوافل غفيرة في كل مدينة وفي كل قرية، والمستقبل يقول إن المتقاعدين في تزايد مستمر، بل إن القوافل سوف تتضاعف بشكل ملحوظ، ولن تجد أمامها سوى هذه الجمعية وفروعها المنتشرة في كل أنحاء المملكة كي تنخرط فيها وتحتمي بها.
ولذلك نتوقع أن يصبح عدد أعضاء الجمعية الأكبر على أي مستوى من مستويات جمعيات المجتمع المدني، بل إن الزيادة في عدد المتقاعدين لن تتوقف وسوف تتواصل حتى يصبح عدد الموظفين المتقاعدين مئات الآلاف، بل سوف يضربون الرقم مليون في القريب العاجل، والسبب أن النظام البيروقراطي السعودي من الأنظمة الأضخم في المنطقة، وحينما يصل عدد المتقاعدين إلى المليون يجب أن تقيم الجمعية احتفالا مليونياً يليق بهذه الجمعية العملاقة.
وطبعاً هذا المليون في حاجة إلى تنظيم وفي حاجة إلى مواقف نبيلة تقوم بها الحكومة نظير ما قدمه المتقاعد للحكومة من خدمات وتضحيات وعطاء.
وحكومتنا الرشيدة عودتنا على الوفاء ودعمته وشجعت التكافل الاجتماعي الذي عظمه ديننا الإسلامي الحنيف.
دعونا نستعرض الأوضاع الاقتصادية ـ وهو الجانب الأهم ـ للأغلبية الساحقة من المتقاعدين .. سوف نجد أن معظم المتقاعدين ليس لديهم أفق استثماري وكانوا يقعدون على قاعدة من القناعة الكاملة برواتبهم التقاعدية التي سوف تصبح عند التقاعد دخلاً متواضعاً قياساً بمعدلات التضخم التي سوف تتزايد مع الأيام، وحينما يجد المتقاعد أن راتبه لا يكفي لمصاريفه، فإنه سوف يعاني نفسياً من أمور الفاقة والعوز، وحينما يجد أن البنوك تمتهن كرامته وترفض منحه قروضاً لتحسين أحواله المعيشية بحجة أنه بلغ الـ 60 عاما،ً فإنه يشعر بالغصة والغيظ، ناهيك إذا بحث عن عمل ووجد أمامه مجموعة من الأبواب الموصدة.. حينئذ يشعر بالمهانة ولسان حاله يقول: هل هذا جزاء من أحسن عملاً.
إن أشقى الأمور عند النفس البشرية المرهفة .. هو النكران بعد العطاء، والخسران بعد الإخلاص والوفاء.
وللأسف فإن هذا الذي يحدث للمتقاعدين عندنا لا يحدث لمثلهم من المتقاعدين في دول كثيرة، وبالذات في الدول المتقدمة التي تحتفي بالمتقاعدين والتي شرعت لهم مجموعة مزايا لا تعطى لغيرهم من الموظفين، سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، وأهم هذه المزايا هو محاولة إعادة توظيف القادرين منهم، ثم منحهم سلسلة تخفيضات وتسهيلات هائلة في شتى مناحي الحياة حتى يحافظوا على المستوى المعيشي الذي كانوا فيه حينما كانوا ملء السمع والبصر.
ونذكر ـ على سبيل المثال ـ أنه في الدول المتقدمة وفي دول الخليج العربية .. يمنح المتقاعد تأميناً صحياً كاملاً وفق قواعد نظامية محددة ويمنح منزلاً يلملم فيه أجزاءه، ويسدد أقساطه المريحة على مدى حياته، ثم يعطى تنازل كامل عن القرض بعد وفاته، كذلك يمنح حسومات هائلة على تذاكر السفر والمباريات الرياضية وحسومات من أهم المحال التجارية والفنادق .. حتى يمارس حياته في مستوى من الرفاهية التي تجعله يفخر بكل ما قدمه لوطنه أيام شبابه وصحته ونظارته.
وإذا كان مجلس إدارة الجمعية الوطنية للمتقاعدين لم يستطع أن يرتقي بخدماته إلى مستوى الخدمات التي وصلت إليها مؤسسات المجتمع المدني في الدول المتقدمة، فإنني أتمنى أن تبادر الرئاسة العامة لرعاية الشباب إلى بناء مجموعة من الأندية الاجتماعية والثقافية والرياضية للمتقاعدين في المدن الرئيسة من مملكتنا الغالية، وأن يتم رفع الحظر الشامل المفروض على القروض البنكية.
إننا نلتمس من الدولة منح المتقاعدين ممن ليس لديهم أرض ملك يقيمون عليها منزل العمر تلك الأرض، وأن توفر لهم قرضاً فورياً ومريحاً يبنون منه عش الكرامة والوفاء، وأن يمنح كل متقاعد شهادة تأمين صحي له ما بقي على قيد الحياة، وأن تبادر أنديتنا الرياضية وخطوطنا السعودية وشركات الكهرباء والاتصالات إلى إعطاء المتقاعدين حسماً لا يقل عن 50 في المائة.
ولكن إذا كنا نطالب الحكومة بدعم الجمعية وتقديم المساعدات لها، فإننا نطالب قيادات الجمعية بالمبادرة إلى إصلاح أوضاعها وفق أحدث طرق الإدارة، بدءاً من التسجيل المبدئي لأعضاء الجمعية وحتى وضع خطة استراتيجية شاملة تتضمن الرؤية المستقبلية لمشاريع الجمعية، وبالذات مشروع إعادة هيكلة المتقاعدين للاستفادة من خبراتهم التي تعد خبرات جيدة ولكنها مهدرة.
وفي كل الأحوال يجب أن تنطلق الجمعية في كل مستويات العمل من مبدأ العمل الجماعي وتوزيع المسؤوليات بشكل واضح، وعلى القيادة الممثلة في رئيس وأعضاء مجلس الإدارة أن تعي أن نجاح الجمعية يرتبط بشكل أساسي بقيمة العمل الجماعي، ومن ثم فإن مهمة توفير الموارد اللازمة للجمعية هي التي تحدد فاعلية وقدرات مجلس الإدارة على تدبير شؤون الجمعية وبالذات تدبير الموارد المالية والبشرية على حد سواء، وكذلك تعبئة وتدريب العاملين وفق الخطة الإستراتيجية للجمعية المبنية على أساس جودة الخدمة، ولا شك أنه في إطار الإدارة الكفؤة والفاعلة تبرع عملية الرقابة على المصروفات وعلى أداء العاملين وفقاً لمبادئ الحوكمة والشفافية والنزاهة والمساءلة.
إن من أهم الدروس المستفادة من تجارب المنظمات الناجحة في الدول المتقدمة هو الحرص على إجراء استطلاع لرأي المستفيدين من الخدمات التي تقدمها الجمعيات لمعرفة مدى رضاهم، وفي ضوء نتائج الاستطلاع يتم باستمرار تطوير السياسات والبرامج بما يحقق أكبر استفادة ممكنة للأعضاء، وهذا العمل الخلاق يوفر المناخ الآمن للعمل ويعين الجمعيات على أداء رسالتها وتحقيق أهدافها على الوجه الأكمل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي