ابتكارات مخيبة للآمال في تمويل العقارات الأوروبية.. بوادر أزمة مماثلة للرهن الأمريكي
لم ترتفع في الأشهر الماضية أسعار البنزين فقط، وإنما أسعار الفوائد للرهونات أيضا. وقد تضرر العديد من ملاك العقارات المعنيين من انتهاء عهد الفوائد المتدنية بشكل استثنائي. ولكن هذا يمس بصورة خاصة المستأجرين الذين يخططون لبناء أو شراء مساكن خاصة لهم في المستقبل القريب، وكذلك ملاك العقارات الذين سيكونون مضطرين للتفاوض على شروط قروضهم القائمة لأن فترة الفوائد الملزمة ستنتهي قريبا.
إن الرهن بسعر فائدة ثابت لمدة خمس سنوات يكلف حاليا نحو 4.5 في المائة سنويا، وتقريبا 5 في المائة سنويا كسعر فائدة ثابت على القروض لعشر سنوات. وهذه الفوائد تشكل، مقارنة بالفوائد التي كانت سائدة قبل 15 أو 20 سنة، مستوى أقل مما يمكن أن يحلم به المرء، ففي تلك الأوقات كان التمويل العقاري يكلف 8 في المائة أو أكثر سنويا. غير أن هذه المقارنات التاريخية لا تشكل عزاء كافيا لمشتري العقارات، فكل ارتفاع في أسعار الفوائد، كما هو معروف منذ القدم، يثير الاضطراب في حياة الأشخاص الملتزمين بسداد ديونهم ما يدفعهم للبحث عن طريق للخلاص.
التدفقات الفعلية بعين الاعتبار
ولعل أفضل الطرق لتحاشي الوقوع في فخ الفوائد هو ربط القرض ذي الفائدة الثابتة بعقد توفير لغرض البناء. فهنا يوفر للشخص العادي بعض الأمل في أن يجري تخفيف سعر الفائدة المرتفع عن طريق عوائد عقد التوفير مهما كانت فوائده متدنية. غير أن هذا يكون في كثير من الأحيان استنتاجا خادعا، كما يتبين في المثال التالي.
مستثمر تبلغ ديونه لبنك الإسكان 100 ألف يورو، وخلال سنتين ستنتهي اتفاقية الفائدة الثابتة على هذا القرض، ويستطيع هذا المستثمر أن يمدد اتفاقية التمويل الحالية بسعر 4.75 في المائة سنويا كفائدة ثابتة لمدة عشر سنوات أخرى. غير أن المستثمر يدرك أنه لن يتمكن من سداد كامل قيمة القرض خلال هذه السنوات العشر, إذ إنه حتى لو قام بتسديد ما نسبته 3 في المائة من القرض سنويا فسيتبقى من القرض بعد عشر سنوات 62 ألف يورو. وفي الوقت نفسه فإن تسديد كامل قيمة القرض خلال الفترة المحددة عن طريق دفع أقساط شهرية قدر الواحد منها 1048 يورو يتجاوز قدراته المالية. وباختصار سيضطر المستثمر بعد عشر سنوات للتوجه إلى البنك من جديد للتفاوض على أسعار فائدة جديدة من المحتمل أن تكون في هذه الأثناء قد ارتفعت بشكل ملموس. وبالطبع فإن هذا الاحتمال يقلق المستثمر إلى حد بعيد ما يدفعه لقبول اقتراح البنك بربط القرض بفائدته الثابتة الجديدة بعقد توفير لغرض البناء.
صندوق الإسكان
وفي عملية الربط هذه يبرز للعيان بوضوح أن الأولوية أعطيت لمصلحة صندوق الإسكان في ترتيبات أسعار الفائدة، التي يفترض أن تبلغ 3.75 في المائة سنويا. ولكن المفروض أن سعر الفائدة هذا لا يصبح نافذا إلا بعد ثماني سنوات. أما حتى ذلك الحين فينبغي على المستثمر أن يدفع على القرض الثابت فائدة قدرها 4.5 في المائة, يضاف إلى ذلك أن ثمة فائدة قدرها 1 في المائة سنويا على المبلغ المودع في صندوق التوفير، ما يعطي أملا للمستثمر بألا يتكلف أكثر من 3.5 إلى 4 في المائة سنويا على المبالغ المستحقة عن عملية البناء بكاملها. وفي الحقيقة أن المستثمر لن يحظى بمثل هذه التكلفة المنخفضة ذلك لأن عملية حساب للتكاليف التي سيتحملها المستثمر يكتنفها كثير من الشك. فأساس قياس الفوائد يتفاوت في الارتفاع مما يحول دون تطابق الحسابات, ولعل التدفقات النقدية الفعلية هي فقط التي من شأنها أن تضيء الظلمات.
إن عقد التوفير بغرض البناء يبدأ بنسبة فائدة قدرها 1 في المائة, غير أن صناديق التوفير المختلفة غيّرت في السنوات الماضية كثيرا من رسومها في اتجاه تخفيفها نوعا ما، غير أن الرسم النهائي الذي يتم الاتفاق عليه يبقى ثابتا كالصخر. ومعنى هذا، بالنسبة للمثال الذي نتحدث عنه، أن الموافقة على الانضمام إلى مجتمع التوفير تقتضي دفع رسم مقداره ألف يورو، وهذا المبلغ ينبغي دفعه نقدا لكي يبدأ تدفق الدفعات في وعاء التوفير منذ اليوم الأول. ويبلغ حجم الدفعة الواحدة 500 يورو في الشهر, أما الفائدة الاسمية فتبلغ 1 في المائة سنويا، وهذا يعني أنه فقط بعد ثماني سنوات يصبح من الممكن تجميع 50 في المائة من الحد الأدنى المطلوب لصندوق التوفير.
من موفر إلى مدين
وفي هذه الأثناء يتحول الشخص المعني من موفر إلى مدين. فهو يتلقى قرضا قيمته 50 ألف يورو، بتكلفة قدرها 3.75 في المائة في السنة، وأقساط شهرية للسداد قدر الواحد منها 600 يورو. ويستلزم الأمر ثمانية أعوام لكي تركن اتفاقية القرض في الملفات، وهذا يعني بالنسبة للمستثمر أنه سيظل لمدة 16 عاما عميلا لدى صندوق التوفير. ولكن المستثمر سيظل أيضا وفي الوقت نفسه عميلا لدى بنك الإسكان الذي هو مصدر القرض المقطوع. أما الرهن فيظل قائما إلى حين إطفاء قرض صندوق التوفير، وإلى أن يحين ذلك الوقت سيستحق دفع ما نسبته 4.50 في المائة سنويا، وهو ما يساوي 375 يورو شهريا.
مقارنة تجنب المستثمر الوقوع في الزلل
إن تسوية الدفعات الشهرية تؤدي إلى تدفق نقدي مستمر يبدأ بـ 99 ألف يورو، وبالطبع فإن هذا الرقم يخفي قيمة القرض الاسمية البالغة 100 ألف يورو مضافا إليها الألف يورو المدفوعة عند إبرام اتفاقية القرض. وفي النهاية يكون على المستثمر أن يسدد ما مجموعه 96 قسطا قيمة كل منها 875 يورو. ومن هذا المبلغ تذهب 500 يورو لصندوق التوفير، و375 يورو تذهب لبنك الإسكان. وبعد ذلك هناك 96 قسطا قيمة كل منها 600 يورو ينبغي تسديدها كاملة لصندوق التوفير, وفي النهاية يبقى قسط أخير تبلغ قيمته 488 يورو، وبدفع هذا القسط تكون قد تمت تسوية القرض بصورة نهائية.
إن الفائدة الفعلية لسلسلة الدفعات تبلغ 5.47 في المائة، وهذا في النهاية هو ما يعني المستثمر. فالأمر سواء مهما كان عائد عقد التوفير ومهما ارتفعت تكلفة القرض، وليس من المهم أيضا مستوى الفائدة الفعلي على الرهن المصرفي. حيث إن الأمر الحاسم الوحيد هو حقيقة أن الشخص المعني أصبح مدينا بمبلغ 99 ألف يورو، وعليه أن يسدد هذا المبلغ على 96 قسطا، تبلغ قيمة كل قسط منها 875 يورو، يضاف إليها 96 قسطا آخر قيمة كل منها 600 يورو. وبعملية حسابية بسيطة يتبين أن سعر الفائدة هو 5.47 في المائة في السنة. ولحسن حظ البنك وصندوق التوفير، لا يمكن بحال من الأحوال، التلاعب في هذه النسبة.
والأمر في النهاية يتوقف على تقدير المستثمر، كما أن القرار النهائي يتوقف، على الأرجح، على البدائل المتاحة للمقترض. ولعل أقرب الحلول، طلب قرض تقليدي يستحق السداد سنويا مع سعر فائدة ثابت لمدة 16 عاما، والحل الأبعد هو قرض مقابل الرهن مع سعر فائدة ثابت لمدة عشر سنوات مع إمكانية تمديده لست سنوات أخرى. ومن الجدير بالذكر أن البديل الأول يمنح المستثمر إمكانية التخطيط وهو آمن مطمئن طوال فترة التمويل، بينما يعطيه البديل الثاني فرص تخفيض تكلفة الفوائد حيث إن قصر فترة السداد يعني تكلفة أقل.
إن تثبيت سعر الفائدة على القرض لفترة طويلة يكلف حاليا 5 في المائة سنويا، وهذا يعني فعليا 5.12 في المائة، وبالتالي فهو أكثر ملاءمة للمستثمر من الجمع بين اتفاقية للقرض وعقد للتوفير. أما الفرق فيمكن حسابه ماليا كما يمكن حسابه زمنيا. فماليا يصل الفرق في التكلفة، على أساس سعر الفائدة السائد حاليا، إلى 2100 يورو أقل من تكلفة القرض في حالة الجمع. وإذا تم حساب الفروقات حتى نهاية فترة القرض البالغة 16 عاما فمن الممكن أن تصل إلى 4.200 يورو. يضاف إلى ذلك أن إطفاء قيمة القرض بصورة تامة سيوفر على المقترض سبعة أشهر كاملة مقارنة بارتباطه بعقد توفير مع صندوق توفير للإسكان.
إن باستطاعة المستثمر أن يقلب الأمر على كل الأوجه كما يشاء: إن الحصول على سعر فائدة ما بين 3.5 و4 في المائة أمر غير وارد إطلاقا، والأسباب لذلك واضحة. إذ إن سعر الفائدة يحدده البنك على أساس قرض المائة ألف يورو الثابت، أما الفائدة على الودائع التي يدفعها صندوق الإسكان للتوفير فتحسب على أساس رأس المال الذي يتراكم من دفعات التوفير الشهرية ولا يستحق الدفع لصاحب حساب التوفير إلا بعد أن يصل رصيده إلى 50 ألف يورو، وهذا بالطبع لا يؤدي إلا إلى حالة من الارتباك وعدم الوضوح.
الجمع بين قرضين
وربما يكون أكثر ملاءمة الجمع بين قرضين، ففي حالة الاتفاق مثلا على فترة عشر سنوات للسداد، سيستحق على المقترض سعر فائدة سنوي قدره 4.75 في المائة. ومن الواضح أن فرق 25 نقطة أساس في سعر الفائدة وعدد الأقساط الكبير (96 قسطا مضروبة في 875 يورو) مقارنة بـ 24 قسطا مضروبة في 600 يورو يؤدي في النهاية لأن يكون المبلغ المتبقي والواجب السداد على أساس سعر الفائدة الثابت المتفق عليه هو 32 ألف يورو، ومن ثم فلا يكون المقترض مضطرا لتمديد فترة السداد إلا لثلث مجمل القيمة الأصلية للقرض. وبالتالي سيصبح عدد الأقساط 72 قسطا، وقيمة كل قسط 600 يورو بحيث يمكن لسعر الفائدة في هذه الأثناء، وهو ما يخيف الكثيرين، أن يرتفع إلى مستوى 10.75 في المائة في السنة.
الكاتب محلل مالي لدى مؤسسة رويتلنجن