الحرف والصناعات التقليدية.. هل تحتاج إلى استراتيجية؟!
اطلعت على ما نشر في الصحف المحلية حول وجود استراتيجية موسعة للهيئة العليا للسياحة لتنمية الحرف اليدوية والصناعات التقليدية في المملكة، وأن الهيئة قد بدأت في تنفيذ استراتيجية موسعة لتطوير الحرف والصناعات التقليدية بالتعاون مع وزارات المالية، التجارة والصناعة، العمل، الاقتصاد والتخطيط، الشؤون الاجتماعية، والهيئة العامة للاستثمار، المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، مجلس الغرف التجارية الصناعية، وكالة الآثار والمتاحف، وبمشاركة خبراء دوليين من المجلس العالمي للحرف، ومن بعض الدول ذات الخبرة في هذا المجال ("الجزيرة" 18/10/1428هـ).
وتضمن ما نشر أن الهيئة كانت قد دعت بعد تأسيسها إلى وضع تصور للتطوير المستهدف، وتم عرض التصور وتشكيل لجنة لدراسته أوصت أن تقوم الهيئة بإعداد الاستراتيجية، وقام الفريق بزيارات ميدانية لمختلف مناطق المملكة، واطلع على أهم الوثائق المتاحة حول النشاط الحرفي في العديد من الدول، وتم التواصل مع خبراء منظمة اليونسكو، واستطلاع الخبرات العالمية ميدانيا بزيارة بعض الدول، إلى آخر ما نشر من تفاصيل أخشى إن استعرضتها أن تغطي المساحة المخصصة لهذا المقال!
ولعل أول ما يجب الإشارة إليه، في هذا الشأن، هو توجيه الشكر إلى الهيئة العليا للسياحة على أي جهود تقوم بها في هذا السبيل، بيد أن أهم ما في الأمر هو رؤية ثمار هذه الجهود على أرض الواقع، خاصة وقد مضت سنوات في التحضير والدراسات والزيارات، لأمر كنا نحسبه في متناول اليد بوصفه يمثل جانبا مهما من تاريخنا وتراثنا لم تخل موروثاتنا الشعبية والتاريخية من تأصيله وتسجيله، فضلا عن أنه لا يزال ماثلا في أذهان البقية الأحياء من آبائنا وأجدادنا وعلى ألسنتهم، وذلك رغم التجاهل الكامل الذي ووجه به هذا التراث، خلال عقود الطفرة، من قبل الجهات المعنية بإحيائه، فلا المناهج التعليمية تبنت ربطا للحاضر بالماضي، يعني بالتراث والتعريف به كمورد ثقافي نستمد منه أصالتنا، وتتواصل من خلاله الأجيال الجديدة بعروق الماضي ورائحته، ولا وسائل الإعلام، وأولها الرسمي، كان لها دور في تعريف الجيل الحالي بمقتنيات الماضي، ودورها في صنع الأصالة والتاريخ، وبعضنا لا يزال يتذكر أننا كنا، في غمرة التطور الممسوخ الذي بدأ يغلف حياتنا، كنا نرمي بالمقتنيات القديمة في كل مكان، ولم يكن أحد يفكر في الاحتفاظ بها، وعندما عدنا نبحث عنها كانت قد ذهبت أدراج الرياح، أو في حوزة الأجانب!
أما منتجوها من الأجيال الماضية، فكان الإهمال مآلهم إلى أن نسوا هذا التراث، خاصة عندما أصبح الغير يغزونا به من الخلف في صورة مصنوعات ممسوخة تأتي من الخارج، وبتعاوننا، تجارا ومواطنين، قضينا على هذه الصناعة لاستحالة إنتاجها بالتكلفة ذاتها التي تردنا بها، وانظروا، أيها القراء من حولكم هل تجدون دلة أو إبريقا أو مدخنة أو نجرا ومحماسة مصنعة في المملكة؟!...، حتى (المهفّة) صارت تصنع لنا في الخارج؟!
إن تشجيع الصناعات التقليدية والحرفية يحتاج إلى الأفعال قبل الأقوال، وإلى التبسيط أكثر من التعقيد، ولنا في مهرجان الجنادرية مثل، فمنذ نشأة المهرجان وهو يشجع إنتاج هذه الصناعة وعرضها خلال فعالياته، لكنها، مع الأسف، تموت معه، وتنتهي عندما يقفل موسمه، لأنها لا تجد بعد ذلك من يحتضنها ويدعمها, ولو معنويا, وفي ذلك دليل على وجود من يجيد هذه الصناعة ممن يشاركون في المهرجان, وغيرهم كثير من المتقاعدين, والقاعدين في البيوت ممن يعيشون من دون عمل من الرجال والنساء, ومن المتوقع أن يزداد الإقبال على هذه المقتنيات, مع مرور الوقت, وحنين الناس إلى الماضي وسأمهم من الحاضر.
وكنت أحسب أن الأمر ينبغي أن يكون ميسرا لكي نبدأ وألا يمضي وقت أكثر في الدراسات ووضع الاستراتيجيات, فالواقع دائما يخالف الخيال, وما يأتي به الواقع مع تطويره وتحسينه, هو الاستراتيجية الحقيقية, وعند هذه النقطة أعود إلى التذكير بما طرحته في مقالي عن برامج العيد الماضي ("الاقتصادية" 26/9/1428هـ), الذي رأيت من خلاله أن تتحول بعض الأنشطة إلى برامج مستمرة طوال العام, ومنها الحرف والصناعات التقليدية, بحيث تصبح الحدائق العامة والساحات البلدية مكانا لعرض أسبوعي لهذه المقتنيات, يمثل ملتقى تعريفيا وترويجيا لها, يشارك فيه كبار السن ممن يجيدون هذه المهنة, بحيث يكون ذلك وسيلة لتحريك الدماء في عروقهم والمال في جيوبهم, وكنت أحسب أن الأمانات والبلديات ممثلة في وزارة الشؤون البلدية والقروية هي أكثر الجهات قربا من هذه الأنشطة, بحكم سلطتها في الإشراف وإصدار التراخيص وامتلاك الأماكن, ووسائل التشجيع, وقدرتها على إضافة اللمسات التقليدية إلى المساكن, ومن المؤسف أنها لم تكن من بين الجهات المشاركة في إعداد الاستراتيجية التي نتحدث عنها, في حين أن الأمر الطبيعي أن تكون هذه الوزارة من أولى الجهات حتى تستطيع تسخير الإمكانات البلدية وتوفيرها لخدمة الهدف الذي ترمي إليه الهيئة العليا للسياحة ومن يعمل معها.
أختم بإيراد مثل حي, شاهدته في البحرين, في سنة ماضية, خلال عرض للصناعات التقليدية وغيرها التي يمكن إنتاجها من سعف النخيل, لأنني أعجبت بما شاهدت من تنوع المنتجات وجمالها وإعجاب الناس بها, وإقبالهم على اقتنائها, بيد أن الأسف أخذني بعيدا لأن ذلك الحدث كان في بلد لا يملك من النخيل شيئا أمام ما نملك, لكنها الإرادة التي تصنع المستحيل, والدعة التي تتجاهل النخيل.
والله من وراء القصد.