في نشوة الضوء .. نتجاهل العتمة ونربّي الفقد
"ما زلت ممثلة كبيرة، إنها الأفلام التي باتت صغيرة". هناك قناعات ترتبط بأعماق الفرد حتى لا يكاد يرى غيرها من حوله، بالأخص لمن يحاول إنكار الواقع الذي لا يعطيه أمانا لحظتها. وذلك ما يتجلى من خلال شخصية نورما ديسموند في فيلم جادة الغروب، التي تحاول إقناع العالم أجمع بأنها لا تزال ممثلة مهمة على الرغم من انحسار حقبة الأفلام الصامتة التي كانت أحد أهم أعمدتها.
الفيلم الذي أخرجه بيلي وايلد في عام 1950م، يعد من طراز أفلام الكوميديا السوداء أو الأفلام الدرامية السوداوية "النوار" التي تبدو أشبه برحلة استكشافية للقلق النفسي والانهيار العصبي الأبدي. يعد فيلم "جادة الغروب" أحد أهم الأفلام الكلاسيكية التي تجسد النرجسية الممعنة للممثلين، عبر شخصية نورما اعتادت أن تكون تحت الأضواء، لتصطدم بعد ذلك كونها خمسينية مغمورة لم يعد لها وجود على الساحة الفنية. برعت في تمثيل الدور الأمريكية جلوريا سوانسن، تارة كإنسان دون كيشوتي متعلق بأوهامه، أو بتوقعاته باستمرار اعتلائه القمة، وتارة أخرى في التعطش الدائم للإطراء والمديح، إلى الحد الذي يستحيل إلى إمعان في خنق الآخرين بتملكها ورغبتها في التحكم بردود أفعالهم. حالة الانهيار الدائم لنورما تتعالى عبر ملامحها الشبه متغضنة التي بدت وكأنها برعت في المحافظة على تألقها، مما لم يمنع من استجدائها في حالات عديدة الآخرين استعطافهم واهتمامهم، وإن أدى ذلك إلى محاولات للانتحار. الحضور القوي للممثلين عزز من أهمية الفيلم، فالشخصيات تهيم عبر أرجاء الفيلم كأرواح فقدت القدرة على التوازن في بيئة مثقلة بكل ما يعاكس أحلامهم وتوقعاتهم الحياتية.
#2#
"أنت لا تقوم بالصياح على شخص يسير وهو نائم". السير نائمة هو الحال الذي أدركه المحيطون بنورما، وعلى الرغم من اقترانها بأكثر من زوج، واضطرابها النفسي، إلا أن مدبر منزلها المرافق لها، ماكس فون مايرلنج، يتعاطف مع هشاشة شخصيتها ويحاول أن يقنعها بأنها لا تزال تعيش ماضيها المتألق، وهو ذاته أحد أزواجها السابقين ومدير أعمالها السابق الدائم الصمت والمراقبة، الذي يتوخى الحذر وهو يرقب محاولتها المستمرة للتألق والاحتفاظ بالمظهر الشاب على الرغم من تقدمها في السن، وهوسها التدريجي حيال الشاب الذي اختارته بمحض المصادفة، لتقنع نفسها أنها لا تزال شابة ومرغوبة، حتى إن كانت تخدع ذاتها وتدرك أنها تغريه بالبقاء عبر دفعها الأموال والهدايا.
وقد وقع اختيار المخرج في ذلك الوقت على الممثل الأمريكي المتألق ويليام هولدن، ليمثل دور الكاتب الشاب الوسيم الانهزامي جو جيليز، صاحب الشخصية الجذابة والفرص العديدة للحصول على تولع النساء من حوله. ولأنه قد توصل إلى مرحلة انحسار أفكاره وفقدان إلهامه فأفلس، وأصبح مضطرا للحصول على أي فرصة للكتابة، في محاولة بائسة إنقاذ سيارته التي هناك مساعي مستمرة لاحتجازها. تتلاقى ظروف ممثلة منهزمة مع كاتب منسحق ليصلا إلى حاجة مشتركة مؤقتة للإنقاذ. وعلى الرغم من الاستمتاع من الاستفادة من حالة الغرق المستفحلة لدى نورما. بعد أن يتم إبرام الاتفاق على أن يعيد صياغة سيناريو فيلم مقترح تكون هي بطلته الوحيدة وتحتل جميع مشاهده لتفشي نرجسيتها المستفحلة، على أن يتحول ذلك الاقتراح إلى رغبة في إبقائه في قصرها قدر المستطاع، ليستحيل ذلك إلى ما هو أشبه بسجن أبدي، يظهر فيما بعد امتعاضه منه، وتوهمه بأن لديه على الأقل وهما حيال قدرته المغادرة متى شاء، ذلك الوهم الذي لا تظهر مدى صحته إلا في نهاية الفيلم. محاولة التملص من البراثن التي تقبض على أنفاسه فتكتمها تمتد عبر الفيلم بتعبيرية بديعة من خلال أداء ويليام هولدن، وقدرته على نقل حالة الغضب العارم والإحساس بالاختناق داخل القصر الذي يظهر وكأنه بمنزلة سجن كبير.
التصوير السينمائي عزز من تجسيد حضور المكان الذي كان في أغلبيته داخل قصرها، الذي يقع في جادة بوليفارد. فالقصر بوليفارد هو البطل الفعلي في الفيلم الذي يتربع كبطل ضخم يجثم على أنفاس الجميع بغرائبية تصميمه، واحتوائه على ملامح هوس نورما بذاتها، من خلال صورها المترامية في كل مكان، التي تقوم بتوقيعها بهوس وكأنها لا تزال شهيرة لديها عدد كبير من المعجبين. فيما تظهر غرفة السينما في جناح قصرها، إمعانها الاستمرار في قرار اعتناقها العزلة أو النفي الخياري، لتعيش أحلامها الواهية، وترغم جو بمشاهدة أفلامها القديمة في سينما خاصة في منزلها، وكأنها الأفلام الوحيدة في العالم. هناك إحساس نوستالجي لا نهائي، وقلق مزمن ورغبة في الاستمرار في أسر الجميع في فلك حياة واهمة، يظهر ذلك من خلال منع إيصاد الأبواب داخل القصر للتأكيد على حالة الأسر وتقييد الحريات لقاطنيه.
على الرغم من انحصار المشاهد على اللونين الأبيض والأسود، إلا أن الفيلم نجح في الحصول على تصوير واقعي يركز تارة على وجوه وتعابير الممثلين، وتارة أخرى عبر تصوير بانورامي للمحيط، مما جسد أزمة انحسار الأفلام الصامتة على الممثلين الذين عاشوا تلك الحقبة. وقد تفاعل المخرج بيلي وايلد مع تلك القضية عبر اختيار ممثلين فعليين كانوا رفقاء سوانسن في حقبة الأفلام الصامتة، لينقل مشاهد لهم معها كرفقاء يتشاركون لعبة البريدج من أمثال "بستر كيتون، واتش بي وارتر وآنا نيلسون." من جهة أخرى انتقل التصوير ليجسد المكان الفعلي لاستوديوهات باراماونت حيث يتم التصوير.
فيلم جادة الغروب يحمل جماليات الزيف الذي يعيشه المتوهمون باستمرار الماضي والالتصاق به. إنه الهوس بأعظم معانيه، سواء التعلق بزمن أو بشخص أو بحالة قديمة تمثل نجاحا كان يعيشه المرء ثم فقده. ليتساءل المحيطون إن كان على ذلك الشخص الذي حرص على كل تلك التفاصيل ليستمر في اعتناق الوهم، إن كان عليه الاستيقاظ، فما الحياة إلا شعور بالسعادة سواء كانت عبر حالة معينة وإن كانت لا تمت للواقع بصلة.