الفوتوغرافي «سالجادو»: نعيش على كوكب لا يزال نصفه مجهولا
تبدأ حكاية المصور "سالجادو" بعد مغادرته قريته الصغيرة قبل نصف قرن، بسبب مناهضته للديكتاتورية في بلاده، وحلمه بتغيير العالم، وسفره لباريس لمتابعة دراسة الاقتصاد الزراعي في الستينيات، وعمله مختصا اقتصاديا في منظمة دولية، وغرامه بالكاميرا بعد حصوله عليها هدية من زوجته المعمارية، وطوافه متنقلا في أنحاء الكرة الأرضية، ومشاهداته لعمال المناجم في الأمازون والصيادين في القطب الشمالي، وتوثيقه حروب الخليج والبوسنة ورواندا، جعلته يدرك أخيرا أن الإنسان الذي أسهم في تدمير البيئة بهذا الشكل المخيف في سبيل أطماعه واستنزاف الثروات الطبيعية والقضاء على الغابات المطرية، يمكنه إعادة الحياة إليها إذا كانت لديه العزيمة الصادقة، وهذا ما فعله عندما رجع إلى قريته بعد ترحال طويل، وعمل على إعادة تشجير المزرعة التي ورثها عن جده في البرازيل، ونجح في غرس أكثر من مليون شجرة، وتحويلها إلى محمية طبيعية، حكاية أقرب إلى الخيال رواها "سالجادو" للجمهور في إحدى محاضرات TED، وعرض عليهم صورة أولى لمساحات مقفرة، ثم بعد ذلك عرض عليهم صورة المكان نفسه لغابة أشجار كثيفة بمساعدة زوجته ليليا والفلاحين في القرية، وهكذا وجد كنزه، واستعاد الأمل وعادت الروح إلى القرية من جديد.
هذه المقدمة ضرورية لمقاربة أعمال سالجادو الفوتوغرافية في المعرض المقام حاليا في جاليري حافظ، وهو يقتنص مناظر فريدة لا تزال موجودة في المناطق النائية والمجتمعات البدائية، وتفاعلها في سلام مع الطبيعة، لا تلوث أو عبث للنظام البيئي، وجمعها في كتابه "سفر التكوين" حصيلة ثماني سنوات من حياته لاكتشاف الطبيعة البكر عبر الفوتوغرافيا، وهذه الرحلة كانت أيضا موضوع الفيلم التسجيلي "ملح الأرض" للمخرج الألماني فيم فيندرز بالاشتراك مع المصور جوليانو ريبيرو سالجادو، الابن الأكبر للمصور سالجادو، لتوثيق يومياته وطريقته المدهشة في رصد التحولات الكبرى المناخية والاقتصادية والاجتماعية وآثار الحروب المدمرة في الشعوب.
رحلات مع الضوء
بدأ سالجادو حياته المهنية مصورا عام 1973 مع وكالات شهيرة مثل سيجما وماجنوم، وقام بتأسيس وكالة أمازوناس للصور بمشاركة زوجته ليليا فانيك في عام 1994، وكان قد نشر كتابه الأول "أمريكا أخرى" عام 1986 عن مظاهر الحياة اليومية في البرازيل، الإكوادور، بوليفيا، بيرو، جواتيمالا، والمكسيك. تنوعت الصور في مواضيعها حول الممارسات الروحية والدينية، وتغيير المناظر الطبيعية الريفية، والحياة المنزلية الحميمة. كل صورة تعبر عن المحبة العميقة للسكان تجاه حقولهم وأوطانهم، عن الزوايا المجهولة للقارة اللاتينية، وفلسفة الحياة البسيطة في عيون الفقراء والمعدمين.
#2#
يركز سالجادو على تصوير البورتريه لوجوه الفلاحين الهنود والمستوطنين السود، وفي معظم الأحوال نطالع الملامح النبيلة المعبرة عن الصبر والغموض والبطولة، هذه ليست وجوه اليأس، ولكن وجوه لا تخشى العزلة، بل من عالم سريع التغير، تسقط فيه القيم الروحية والتقاليد الثقافية القديمة في المنطقة بسبب الاستهلاكية الرأسمالية، إذ يهاجر عشرات الملايين من الفلاحين إلى المراكز الحضرية، بسبب إغراء الوعود الكاذبة في كثير من الأحيان بالثراء والحصول على فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية.
يتناول في كتابه "الساحل: الإنسان في كارثة" المنشور في عام 1986 أزمة التغير المناخي في المنطقة التي تضم دول شرق إفريقيا من تشاد وإثيوبيا والسودان، والمعاناة من موجة جفاف غزت بلدان القرن الإفريقي، ونتج عنها نقص حاد في الغذاء، وكان هناك بضعة ملايين من الناس لا يجدون أي طعام على الإطلاق. المجاعة التي تعرضت لها منطقة الساحل وثقها سالجادو خلال الإقامة 18 شهرا مع منظمة أطباء بلا حدود في مخيمات اللاجئين، صوره المنبثقة من الرعب الهائل وعمق المأساة في تكوينات مونوغرامية تضع أهوال المجاعة في مشاهد أيقونية خالدة.
مصورات تؤرخ نضال الإنسان للتحرر من الظلم ومقاومة الإذلال والعنصرية في كتابه "عمال-آثار العصر الصناعي" الصادر عام (1993)، مجموعة وثائق بصرية باعتبارها سيرة جماعية فوتوغرافية تدون تاريخ من الفقر والاستغلال كاشفة الكليشيهات العاطفية في التقارير الحكومية عن التجاوزات والانتهاكات بحقوق العمال، تصاوير لرجال ونساء يكدحون في حقول قصب السكر والكاكاو في البرازيل، مزارع التبغ في كوبا، مصانع النسيج في بنغلاديش، مصاهر التعدين في كازاخستان، مصانع السيارات في الهند، عمال المناجم في إندونيسيا، أحواض بناء السفن في فرنسا. تلك الأماكن تجسد الإرث الاستعماري مع اعتماده على العمالة اليدوية الرخيصة، وتكشف الصور الفوتوغرافية مشاهد سريالية من الجحيم مثل صورة الباحثين عن الذهب الزاحفين مثل النمل على المنحدرات الموحلة في منجم برازيلي، وكذلك صورة عمال إطفاء حرائق مصافي النفط في الكويت أثناء حرب الخليج الثانية.
سفر التكوين
وفي مشروعه الأخير "جينيسيس" (سفر التكوين)، أشار المصور السعودي عادل قريشي في مقدمته للكتيب المرافق لمعرض الفنان في جدة: إلى "أن سباستياو في هذا المشروع تخطى حدود البشر إلى ما هو أكبر: الحياة، بكل تجلياتها من المحيطات إلى الغابات والوديان والحيوانات وأخيرا البشر. استطاع بعدسته رواية قصة الخلق بكل جمالها وجمعها في كتاب واحد يعتبر آخر مشاريعه التصويرية وأهمها".
ذكر سالجادو في حديثه مع زوار المعرض حقيقة أننا نعيش على كوكب ما زال نصفه مجهولا، يحتفظ بهيئته مثلما كان في العهود القديمة منذ فجر التاريخ، ومشروع "سفر التكوين" يتعلق بالكائنات الحية، "لقد ذهبت للبحث عن أشكال الحياة الأصلية، فقصدت أماكن متعددة، غينيا الجديدة، غابات الأمازون، سومطرة، مجاهل إفريقيا، وقابلت دائما صنفا واحدا من التجمعات، عندما تنضم إليها يتم قبولك وتندمج بكل سهولة، والخلاصة التي توصلت إليها أن مجتمعات العصور الأولى لم تكن عنيفة أو عدوانية على الإطلاق، على سبيل المثال قبائل شيندو العليا في البرازيل، لم تكن تأكل ذوات الدم الحار من الحيوانات لكيلا توصف بالشراسة، لأن العدوانية تحتل مرتبة دنيا في سلم قيمها، فهي قبائل وديعة، عرفت القبول من العالم أكمله.
لذلك العنف وجميع الجوانب القاسية في المجتمعات الحديثة لم تكن موجودة في الأصل، كل المجتمعات الأصلية دون استثناء تعتبر نفسها جزءا من الطبيعة بينما نعيش اليوم في مدن أسمنتية بعدما فقدنا علاقتنا المباشرة مع الطبيعة، كنت أعتبرها عشيرتي، وبالنسبة لي كان فهم سلحفاة وتصويرها أكثر صعوبة من فهم الجنس البشري، كنت أشرح لهم ما تلتقطه عدستي، ومن المؤكد أن لديهم فكرة عن صورتهم التي تعكسها مياه الأنهار. كنت أبحث عن صور تمثلهم، وهم منحوني تلك الصور هدية ثمينة وتصريحا للدخول إلى عالمهم السحري الذي يعيشون فيه. لقد تعلمت الكثير في رحلاتي، وهذه السنوات التي قضيتها في تأليف هذا الكتاب شرف نادر الوجود إذ تعرفت خلالها على كوكب الأرض، وتعرفت على الطبيعة من قرب حتى شعرت بأن كل شيء يتنفس من حولي".