بعد عقود من الافتتان بمشاريع «الوحدة» .. موجات الانفصال موضة العصر
منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقسيم تركة الرجل المريض بين أقوياء أوروبا واللا استقرار "الجغرافي" سيد الموقف في المنطقة العربية. صحيح أنه كان السمة الغالبة على امتداد الأركان الأربعة للعالم، بيد أنه أفضى إلى ما يشبه المتناقضات ما بين ضفتي المتوسط مع استثناء وحيد يتعلق بانهيار المعسكر الشرقي في سياق خاص وظروف معينة.
أوروبا .. تكتلات في اتجاه الوحدة
بمجرد ما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأت مشاريع إعمار الدول المتضررة من ويلات الحرب، وإعادة إصلاح ما خربته وتأهيل الموارد البشرية في هذه البلدان حتى تكون في مستوى التطلعات، ورافق ذلك أفكار ورؤى ومشاريع للتكتل والاصطفاف وإقبار خلافات الماضي في وحدة تنسي الجميع آلام الشقاق ومرارات الصراع.
عمليا تم الشروع في تحقيق هذه الأحلام مع انطلاقة المجموعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951 التي ضمت كلا من ألمانيا الغربية، فرنسا، إيطاليا، ودول البينيلوكس "بلجيكا، هولندا، اللوكسمبوج"، ثم جاءت بعدها اتفاقية روما الخاصة بالسوق الأوروبية المشتركة التي دخلت حيز التطبيق سنة 1958، ثم توالت القرارات تباعا؛ كما يسرد الباحثان جون بيندر وسايمون أشروود ذلك في كتابهماThe European Unnion (2001، إلى أن أضحى على الشاكلة التي نراها عليه اليوم كأكبر وحدة اندماجية تتأسس في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا الخضم تكللت مساعي الأوروبيين بتاريخ 3 تشرين الأول (أكتوبر) بالنجاح فاتحدت ألمانيا الديمقراطية "الشرقية" بألمانيا الاتحادية "الغربية" بعد توقيع ما بات يعرف تاريخيا بمعاهدة الاثنين "الألمانيتين" والأربعة "فرنسا، بريطانيا، أمريكا والاتحاد السوفياتي".
عمليا نجحت أوروبا في هذا الأمر إلى حد كبير، ووأدت الخلافات الداخلية بين الشعوب والقوميات. فوحدت ألمانيا الشرقية والغربية في ألمانيا فيدرالية، وبالموازاة كان مشروع الوحدة الأوروبية الذي بدأ اقصاديا ساري المفعول إلى أن وصل إلى ما نراه اليوم، على الرغم من كل التعثرات والنقائص والعقبات التي تواجهه.
العرب أزمات نحو مزيد من التقسيم
في الشرق كانت أولى المحاولات لتغيير بنود ميثاق سايكس بيكو بتاريخ 22 شباط (فبراير) 1958 بإعلان الوحدة الاندماجية بين مصر وسورية تحت اسم "الجمهورية العربية المتحدة"، ورافقه في ذات الحقبة اتحاد آخر بين دولتي العراق والأردن عرف بـ "الاتحاد العربي الهاشمي"، لم تكلل أي من التجربتين بالنجاح، فالاتحاد ألغي في تموز (يوليو) 1958 أما الجمهورية فعمرها لم يتعد ثلاث سنوات حيث سقطت في أيلول (سبتمبر) 1961.
كان العرب مع مشروع وحدة جديدة عام 1963 بعد وصول حزب البعث إلى سدة الحكم في كل من سورية والعراق، وانضمت مصر إلى المباحثات التي توجت بتوقيع ميثاق 17 نيسان (أبريل) للوحدة بين البلدان الثلاثة (مصر، سورية، والعراق). ولكن الميثاق لم يطبق نتيجة لرفض مصر الوحدة الفورية والاندماج المباشر بعد فشل التجربة الأولى لعبد الناصر في وحدة سنة 1958.
كل مشاريع الوحدة هذه التي لم تكلل بالنجاح ناهيك عن فكرة جامعة الدول العربية التي تعتبر في السياق المعاصر أقدم منظمة دولية قامت بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تكونت في 22 آذار (مارس) سنة 1945؛ أي قبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة بأشهر، وكانت الدول المؤسسة لها حينذاك سبع دول عربية لها سيادة واستقلال سياسي، وهي: مصر، سورية، الأردن، لبنان، العراق، اليمن، والمملكة العربية السعودية.
موجات الانفصال موضة العصر
قد يرى البعض ما سبق كيلا بمكيالين أو جلدا للذات أو بالأحرى الواقع العربي أكثر من اللازم في وقت هو في أمس الحاجة إلى النقيض من ذلك، لكن نستدرك على هذا الرأي بالقول إن موجات الانفصال موضة العصر الحديث، فكل جماعة لها رابط قومي أو عرقي أو إثني أو طائفي أو لغوي... إلا وتسعى إلى الانفصال والاستقلال وإعلان ذاتها كيانا مستقلا.
بيد أن الفارق الجوهري بين دول حوض المتوسط حيال هذا الموضوع أن أصحاب الضفة الشمالية "الأوروبيين" استطاعوا أن يضعوا قنوات للتعامل مع هذه الحركات، ويؤسسوا قواعد بموجبها يتم تصريف هذه المطالب في قنوات رسمية تقف سدا منيعا من أي احتواء أو توظيف لها، فالنزاعات داخل القارة العجوز أكثر من أصابع اليد الواحدة، ومن أبرزها الباسك في الشمال والكتالان في الشمال الشرقي لإسبانيا، والفلامون شمال بلجيكا، وتيرول ذي نظام الحكم الذاتي في الشمالي الإيطالي، وكورسيكا في الجنوب الشرقي لفرنسا.
نقيض ما عليه الحال عند أهل الضفة الجنوبية أو الشرق عموما، حيث تواجه هذه الحركات بالتجاهل بادئ الأمر ثم بالحديد والنار في مرحلة لاحقة، ما يدفعها إلى الاستعانة بدعم ومساندة المتربصين بهذه الدول، وهكذا تسقط الدول في دوامات العنف والعنف المضاد وحروب الاستنزاف والاقتتال الداخلي إلى أجل غير مسمى.