حسن أوريد .. السياسة في مرآة الرواية

حسن أوريد .. السياسة في مرآة الرواية

كان حتى الأمس القريب من رجال الدولة ممن يشكلون الدائرة المقربة من المحيط الملكي، وإحدى الشخصيات التي سطع بريقها عاليا في سماء بداية العهد الجديد؛ مع تولي محمد السادس كرسي الحكم في المغرب سنة 1999. تقلَّد حسن أوريد، زميل الدراسة للملك في المعهد المولوي التابع للقصر، مهام الناطق الرسمي باسم القصر الملكي؛ وهو منصب حساس وذو رمزية خاصة في البلاط المغربي.
غادر الرجل بعد ذلك أسوار القصر الملكي بعد تعيينه في سلم الإدارة الترابية واليا "محافظا" على جهة مكناس تافيلالت - مسقط رأسه - جنوب شرق المغرب. مهمة لم يستمر فيها أوريد طويلا، إذ أعفي منها، وتم تكليفه بعدها بمهمة مؤرخ المملكة - بعد وفاة صاحبها عبدالوهاب بنمصور - ردحا من الزمن قبل أن يغادر نهائيا سفينة السلطة الحاكمة في المغرب، ليفتح بذلك الباب للأقاويل والتأويل عن العلة وراء خروجه من مربع الأقوياء المقربين من محيط العاهل المغربي.
توارى الرجل قليلا عن الأنظار إلى حين هبوب رياح الربيع العربي، فعاد لواجهة النقاش العمومي في المغرب بجبَّة المفكر وبُردَة الأديب بعدما خلع عن نفسه زيّ رجل الدولة وجلباب دار المخزن. عودة امتزجت في ثناياها صورة المثقف السياسي مع الأديب الروائي التي يطالعنا بها حسن أوريد في هذه الندوة أو تلك المحاضرة الفكرية أو ذاك الصالون الثقافي.
لن نخوض مع أوريد السياسي والمفكر فيما يطرحه من أفكار وآراء يؤخذ منها ويرد سواء في كتابه عن "مأزق الإسلام السياسي" (2015) في العالم العربي، أو في كتابه "مرآة الغرب المنكسرة" (2012) حيث تناول بالنقاش والنقد بعض أفكارهم الاقتصادية والسياسية والدينية للحضارة الغربية وقبلهما معا كتاب "الإسلام والغرب والعولمة" (1999).
وإنما مع أوريد الأديب والروائي الذي غاص عميقاً في ثنايا التراث وتفاصيل التاريخ، مازجا ذلك بقدرة عالية على تطويع لغة الضاد، فكان المنجَز أعمالاً روائية مائزة مثل "الحديث والشجن" (1999)، "الموريسكي" (2011)، "سيرة حمار" (2014)، "الأجمة" (2014). روائع روائية بحمولة فكرية فلسفية ثقيلة إما تصريحا أو تلميحا، خاصة في العملين الأخيرين حيث توسل الكاتب أسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة، بالحديث على لسان الحيوانات "الحمار" في رواية "سيرة حمار"، و"السباع، الضباع، الأكباش" في رواية "الأجمة".
يعكس المتن الروائي لدى حسن أوريد جوانب من الأسئلة الذاتية – بصيغة النحن - المؤرقة؛ أسئلة القلق المعرفي والصراع الداخلي والشتات الفكري حول موضوعات الهوية وهموم التاريخ وقلق الوجود الإنساني. معتمدا في ذلك لملء فراغات الخيال في المتن الروائي على دروس وخلاصات تجربته السياسية في دوائر صنع القرار السياسي في المغرب.
فرواية "الموريسكي" التي استقى مادتها الروائية من سيرة أحمد شهاب الدين أفوقاي – صاحب كتاب "ناصر الدين على القوم الكافرين" - سرعان ما تتحول إلى نموذج للقياس أو ربما إلى ما يصطلح عليه بظاهرة "الموريسكية" التي أضحت عنواناً كبيرا يضم في تفاصيله قضايا من قبيل: الاضطهاد باسم الدين وبسببه، الاندماج الثقافي والحضاري، الحوار بين الأديان، نسبية الانتماء الديني،... باختصار إنها مأساة إنسانية يُعبر عن طريقها حسن أوريد عن قضايا راهنة، كما يُقر بذلك صراحة في أحد حواراته.
إنها حالة بشرية وصفحة تاريخية تُعيد نفسها، فهي - كما يقول - حاضرة في المأساة الفلسطينية، وقد تكون متجسدة في حالة الهنود الحمر وحرب الاجتثاث التي تعرضوا لها على يد الرجل الأبيض، وقد تكون متمثلة في الأفارقة وهم يتعرضون للبيع والشراء ثم لغسل الدماغ على يد الاستعمار الغربي... إلى غير ذلك من تعيُّنَاتِها المختلفة في التجربة الإنسانية في هذه الرقعة الجغرافية أو تلك.
"سيرة حمار" لم تحد عن تلك البوصلة، إذ عملت بدورها اجتراح أسئلة الهوية وعلاقاتها بالتاريخ على لسان أذربال بطل الرواية الذي مُسخ حماراً بعدما أراد أن يُحلق عن الواقع ويتجاوزه، وتضاعفت معاناة البطل بعدما أدرك أنه في منزلة بين المنزلة "جسد حمار/ عقل إنسان"، فقدرته على التمييز كعاقل من ناحية، وإيراده الحظيرة رفقة الحيوانات الأخرى مع إعطائه البرسيم من ناحية أخرى، يخلقان لديه مفارقة وجودية. هل يأكل وهو يعرف أنه ليس حماراً، وهو ما سيجعله يعيش حرماناً من خلال هذا التمزق الذي سيعانيه من "أزمة هوية" كما سماها أوريد.
حرص الروائي على بث رسائل بمثابة أجوبة له على لسان بطل الروائية من خلال الوفاء للتاريخ باستعمال الأسماء الأصلية لبعض الأماكن في الرواية، من قبيل "تين جيس" عوض طنجة، و"أليلي" عوض وليلي، مشيراً من خلال ذلك إلى الأمر الأهم - في نظري - وهو طرح قضية العلاقة مع التاريخ والسلطة، مؤكدا في ذات الوقت أن "تاريخنا لا يبدأ من تاريخ وصول عقبة بن نافع، بل يرجع إلى ما قبل عهد الرومان".
يعود زمن تحرير رواية "الأجمة" إلى 20 سنة خلت، وتحديداً عندما اشتغل أوريد في القسم الثقافي لسفارة المغرب في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لم تقع بين يدي القراء إلا قبل سنتين.
فالرواية تطرحُ - على لسان الحيوانات - إحدى الإشكاليات المؤرقة لدى المجتمعات العربية، وعبر التاريخ، والمتصلة بإخفاقها في بناء عقد اجتماعي واحترامه؛ فكل من يتولى السلطة، ويفرض تصوراته دون توافق وتعاقد عليها يسقط في نفس أخطاء من سبقوه: الاستبداد ثم الفساد.
وهو ما عبّر عنه أوريد بدقة بالغة في آخر الرواية بقوله "وأما الأجمة فميراث مشترك، وليس لفصيل أن يستأثر بها دون آخر. فهي ملك للسباع وللذئاب وللكباش ولكافة الحيوانات. وهو ملك تصاغ بنوده ككل عقد عند كل جيل".
بعيداً عن خيال عالم الرواية، نُشير إلى أن حنكة رجل الدولة ودهاء السياسي حاضران بقوة في النص الروائي الأوريدي، فلم يجد الرجل عناءً في وصف ما يجري في غرف العمليات داخل القصور الحاكمة، وهو ينتقل مع بطل الرواية في المراتب والمناصب التي تولاها مع السلاطين المغاربة، مثلما تنقل هو واقعيا في المناصب والمراتب مع المخزن المغربي الحالي. "فالكل يشي بالكل، ولا أحد يثق بأحد. كان للبلاط معايير أخرى في التعامل" كما يقول البطل؛ وهو يشهد كيف قام السلطان السعدي بتأديب أحد أقرب المقربين ليكون عبرة للآخرين بناء على وشاية كيدية.
ويُعلق على ذلك قائلا "محاكم التفتيش حالة نفسية، وليست المحرقة سوى حلقة من سلسلة. محاكم التفتيش هي الخوف، هي الوشاية، هي الكذب، هي تشويه الحقائق، هي الإرجاف". فما الفرق إذن بين ما قام به الكاثوليكيون الإسبان تجاه الموريسكيين وما يجري داخل القصور بحق الخصوم والمناوئين الذين يهددون المصالح والامتيازات؟ لا فرق.

الأكثر قراءة