الآثار الإيجابية لأسعار الفائدة الاسمية السالبة
إن هذا التحرك الجريء على مستوى السياسات غير مسبوق وستكون له آثار متباينة بمرور الوقت في مختلف البلدان. ورغم أنه سبق لعدد من البلدان عبر الزمن تطبيق أسعار الفائدة السالبة؛ فإن الأمر الجديد هنا هو تطبيق الأسعار الاسمية السالبة. وتستعرض دراستنا التحليلية هذه الأحداث الأخيرة من زاوية أوسع لاستكشاف الجديد في هذا الشأن، واستعراض تجارب البلدان حتى الآن، ومدى فعالية أسعار الفائدة الاسمية السالبة وحدودها وما قد يترتب عليها من نتائج غير مقصودة. ورغم أن تجربة أسعار الفائدة الاسمية السالبة هي تجربة محدودة، فإننا نخلص مبدئيا إلى أنها تساعد إجمالا في تقديم دفعة تنشيطية نقدية جديدة وتيسير الأوضاع المالية، ما يدعم الطلب واستقرار الأسعار. ومع ذلك، هناك قيود على مدى ما يمكن أن تصل إليه أسعار الفائدة الأساسية السالبة ومدى استمرارها.
بمجرد تخفيض أسعار الفائدة الأساسية إلى ما كان يعرف باسم "النطاق الأدنى الصفري"، يصبح بوسع البنوك المركزية استخدام إجراءات غير تقليدية على مستوى السياسة النقدية لتقديم دفعة تنشيطية إضافية إذا ظلت أسعار الفائدة الحقيقية أعلى من المستويات التي تتسق مع استقرار الأسعار والتوظيف الكامل. وتعد أسعار الفائدة الأساسية الاسمية السالبة أحدث إضافة لهذه المجموعة من الإجراءات غير التقليدية. وقد بدأت ستة بنوك مركزية حتى الآن في تطبيق أسعار الفائدة السالبة التي تسري على بعض مبالغ الأرصدة النقدية في حيازة البنك المركزي لحساب المصارف التجارية (وتهدف الأسعار السالبة إلى تشجيع القطاع الخاص على زيادة الإنفاق ودعم استقرار الأسعار عن طريق زيادة تيسير الأوضاع النقدية والمالية. وفي حالة الاقتصادات المفتوحة الأصغر حجما، يمكن لأسعار الفائدة الأساسية كذلك المساهمة في الحد من التدفقات الرأسمالية الوافدة وتخفيض ضغوط ارتفاع أسعار الصرف.
وهناك أوجه توافق بين أسعار الفائدة الأساسية السالبة والتيسير الكمي. فقد اقترنت أسعار الفائدة الأساسية السالبة حتى الآن بتوسع الميزانيات العمومية للبنوك المركزية نتيجة التيسير الكمي أو عمليات شراء النقد الأجنبي على نطاق واسع. ويعمل التيسير الكمي على تقليص العائدات وعلاوات الأجل، وإن كان نطاقه محدودا إلى حد ما نظرا لأنه يقلل بمرور الوقت حجم الأصول المتاحة لمشتريات البنك المركزي الإضافية. ويهدف تحرك أسعار الفائدة الأساسية نحو الجانب السالب إلى تخفيض أسعار سوق المال، وخفض منحنى العائد بدرجة أكبر، وتعزيز آثار الإحلال في محفظة الاستثمار، ومن ثم زيادة فعالية السياسة النقدية. والواقع أن فعالية أسعار الفائدة السالبة على الودائع تصبح في الغالب أكثر فعالية عند تسعير احتياطيات المصارف التجارية بالسعر السالب.
شهدت الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية على السواء تطبيق أسعار الفائدة الحقيقية السالبة عندما تجاوزت معدلات التضخم أسعار الفائدة الاسمية. ولكن الأمر الجديد هنا هو تطبيق أسعار الفائدة الاسمية السالبة. فعندما تصبح أسعار الفائدة الاسمية سالبة يمكن أن تختلف أيضا آلية انتقال آثار السياسة النقدية نظرا لاقتران بعض الارتباطات غير الخطية بجمود أسعار الفائدة على ودائع التجزئة باتجاه الانخفاض. فمن غير المحتمل أن تنخفض هذه الأسعار الأخيرة إلى أقل من الصفر لأن مودعي التجزئة يمكن أن يتحولوا إلى الودائع النقدية لتجنب سعر الفائدة السالب.
وقد اختلف تأثير أسعار الفائدة السالبة على الإقراض المصرفي باختلاف المصارف، نتيجة اختلاف نماذج التمويل وممارسات الإقراض. وبينما انخفضت تكاليف التمويل المصرفي بالجملة، فقد كان التراجع في أسعار الفائدة على القروض المصرفية محدودا نتيجة ثبات أسعار الفائدة على ودائع التجزئة عند المستوى الصفري أو فوقه. وبالتالي، فإن المصارف التي تعتمد بدرجة أكبر على ودائع العملاء للتمويل تكون أقل قدرة على تخفيض أسعار الفائدة على القروض. وفي معظم الحالات، هبطت أسعار الفائدة على القروض منذ بدء تطبيق أسعار الفائدة الأساسية السالبة ولكن التجارب أكبر في هذا المجال مقارنة بأسواق الجملة. وقد زاد إلى حد ما بعض أسعار الفائدة على قروض التجزئة. وزاد غالبا هبوط أسعار الفائدة على القروض في النظم المصرفية التي لديها نسبة أعلى من القروض بأسعار فائدة متغيرة، أو آجال استحقاق أقصر للقروض، أو مستويات أعلى من المنافسة بين المصارف. ولهذا يبدو انخفاض أسعار الفائدة على قروض الشركات أكبر مقارنة بأسعار التجزئة، ما يرجع جزئيا لزيادة هيمنة القروض المخصصة لسوق المعاملات بين المصارف. ومن حيث حجم الإقراض، وبينما لا يزال الوقت مبكرا على استخلاص نتائج مؤكدة، فقد انتعش نمو الائتمان في منطقة اليورو على سبيل المثال منذ بدء تطبيق أسعار الفائدة السالبة.
وتفيد المصارف عموما من السياسات التي تدعم استقرار الأسعار والنمو، وذلك من خلال زيادة قوة الجدارة الائتمانية للمقترضين، وانخفاض القروض المتعثرة، والحد من تكاليف رصد المخصصات، وتحقيق المكاسب الرأسمالية على الأوراق المالية الموجودة في حيازتها، مع تخفيض التكاليف في المصارف الأكثر اعتمادا على التمويل بالجملة. ومع ذلك فإن صافي هامش الفائدة في المصارف يبدو أنه تقلص بفعل مزيج من أسعار الفائدة السالبة والتيسير الكمي، على الرغم من تحييد أثر هذا الضغط إلى حد ما نتيجة عدد من العوامل التخفيفية. فقد تمكن بعض المصارف من تعبئة مصادر دخل بديلة عن طريق الرسوم أو العمولات. وقام عديد من البنوك المركزية بإعفاء جانب من أرصدة المصارف التجارية لدى البنك المركزي من أسعار الفائدة السالبة (وهو النظام المعروف باسم "التقسيم إلى شرائح") وبالتالي الحد من أي آثار سلبية محتملة في هوامش الفائدة في المصارف.
وتراوح أقرب تقديرات خبراء الصندوق للمنعطف الحرج الذي يصبح عنده التحول إلى البديل النقدي جديرا بالمحاولة بين ناقص 75 نقطة مئوية وناقص 200 نقطة مئوية. علما بأن بعض تكاليف استخدام النقد كمستودع للقيمة، أو لإجراء معاملات بقيمة كبيرة، هي تكاليف ذات طابع غير متكرر، وقد تشمل توسيع الطاقة الاستيعابية للخزانة، ونقل النقدية إلى خزائن قطاع خاص، وإنشاء النظم اللازمة. ونظرا لأن هذه التكاليف غير المتكررة ستكون موزعة على فترة من الوقت، فإن طول المدة المتوقع خلالها تحمل أسعار الفائدة السالبة ستكون لها أهميتها بالنسبة لاتخاذ القرار بشأن تنفيذها أم لا، وكذلك بالنسبة للتكلفة المضافة للمعاملات والمكافئة لأسعار الفائدة. وسيختلف هذا المنعطف الحرج على الأرجح باختلاف البلدان، وسيتأثر أيضا بقيمة أعلى فئة لأوراق البنكنوت. فالحيز المادي اللازم لتخزين مليون دولار أمريكي سيكون مماثلا في الدنمارك والمجر واليابان والولايات المتحدة؛ لكنه سيكون أقل في منطقة اليورو وسويسرا حيث توجد فئات أعلى من أوراق العملة (500 يورو، وألف فرنك سويسري). وهناك بعض الأدلة على تزايد الطلب بالفعل على فئات العملات الكبيرة في سويسرا.