الرياض .. مقصد أصحاب الحق ومظلة الشرعية
تتزايد بشكل لافت وتيرة مجريات الأحداث في الإقليمين العربي والإسلامي؛ أزمة خانقة تصيب هذه الدولة، وفشل شبه كلي يتهدد تلك، وثالثة على وشك الانهيار التام. وبين كل هذا تنظيمات طائفية "حزب الله، أنصار الله،..." محلية تحركها أجندة قوة إقيمية، تحرض ميليشياتها على إثارة الفتن، وتهديد الأمن والاستقرار، وأخرى عنفية "داعش، القاعدة..." تنتشر كالسرطان، تعتمد التقتيل والتهجير إمعاناً في إهلاك الحرث والنسل، ونشرا للخوف والرعب بين الناس وفي الأرض.
يُرافق هذه التطورات حركية سياسية كثيفة ودبلوماسية نشيطة من قبل بعض الدول لتطويق الأزمات، وإخماد حرائق النيران المشتعلة في أكثر من قطر عربي، ومعها مبادرات رسمية وتدخلات ميدانية درءا لانهيار كيان الدولة من أساسه في بعض هذه البلدان.
يبقى التحرك اللافت للنظر في الآونة الأخيرة - وبإجماع المهتمين والمتتبعين لقضايا المنطقة العربية -، هو ذاك الذي تنهض به دولة المملكة العربية السعودية، وبالتحديد منذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم في البلد. وبالموازاة مع ذلك فقدَ الإقليم العربي تلك البقية الباقية من السيادة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج، وفقدَ معها كذلك بوصلة القيادة ودليل التوجيه والإرشاد؛ إذ باتت أطراف إقليمية وقوى دولية تتحكم في صياغة وصناعة القرار في أكثر من عاصمة عربية.
واقعٌ يتهدد شرعية وجود دول عربية بأكملها؛ لو كُتب له أن يستمر طويلا بذات المنوال، دفع بصناع القرار في الرياض إلى اعتماد استراتيجية جديدة قوامُها التحول من سياسة التركيز على بلدان الخليج العربي إلى الاهتمام والانشغال بالوطن العربي ككل. بعبارة أكثر دقة، تولي قيادة العالم العربي قاطبة لما لهذه الدولة من رمزية عند العرب والمسلمين.
تغير استراتيجي حاسم وجوهري تزامن مع متغيرين مهمين في المنطقة، يتصل أحدهما بافتضاح الموقف الغربي حيال قضايا المنطقة العربية "فلسطين، سورية، العراق، ليبيا، ولبنان،..." بعد الشروع في مسلسل تسويات مع النظام الإيراني حيال الملف النووي، وعلى حساب هذه الملفات. ويتعلق الآخر باستعادة الدُب الروسي لنوسْتالجيا الماضي، وبعث أمجاد روسيا القيصرية في مشروع مزدوج مع مصالح إيران قوامه الهيمنة على الشرق الأوسط، والتمدد حتى تخوم الحوض الأبيض المتوسط لمزاحمة أوروبا من الجنوب بعدما نجحت في ضم جزيرة القرم "الأزمة الأوكرانية".
كثرة الأقاويل حينذاك تجاه استراتيجية المملكة العربية السعودية الجديدة؛ وبشكل خاص بعد "عاصفة الحزم" أي التدخل في اليمن، بيد أن صناع القرار في الرياض ما لبثوا أن رفعوا التحدي مدركين جيدا أن الوقت قد حان لفرض وحدة في الرؤية واستقلالية في الموقف العربي "ولمَ لا حتى الموقف الإسلامي"، بتشكيل التحالف الإسلامي العسكري – يضم 39 دولة إسلامية - الذي دشَّن وجوده بمناورات "رعد الشمال"، وفي ذلك رسالة إلى أكثر من جهة مفادها أن هناك خطوطاً حمراء لا ينبغي تجاوزها أولا، وثانيا أن للمنطقة من يحميها، وينهض للدفاع عن سيادتها وأراضيها وشعوبها.
من جهة أخرى استثمرت الدبلوماسية السعودية، وبشكل ذكي جدا، تنظيم العلاقة الثنائية، إذ لا يمر أسبوع دون أن يزور الرياض ممثل دولة أجنبية "عربية، إسلامية، وغربية...". ما يفيد أن الرياض تسير في اتجاه ما يُعرف في مفاهيم العلاقات الدولية بخطة صفر مشاكل مع الدول، - طبعا باستثناء إيران التي تراها المملكة رأس المشاكل في المنطقة -، وهذا يُعطي السعودية بعداً أكبر من موقعها في تقييم الغرب الجديد وفي الآن ذات يؤثر في مجمل ملفات المنطقة.
جاءت زيارة الملك سلمان لمصر الأخيرة لتؤكد الأمر، فمصر دولة مركزية كبرى في الوطن العربي، وأي نوع من التوازن العربي والاستقرار أو التهدئة الاستراتيجية، سيمر بشراكتها بكل تأكيد، رغم المشكلات التي تمر بها القاهرة على مستويات عدة.
تلهتا مباشرة زيارة رسمية إلى تركيا للتأكيد على أن أدوار ومساعي السعودية تتجاوز الوحدة العربية إلى الصف الإسلامي، أي قضايا أمة تبلغ 1.7 مليار مسلم، خاصة بعد أن اتضح التقارب في وجهات نظر الرياض وإسطنبول تجاه معظم ملفات المنطقة، وهي كذلك الشريك الإسلامي الوحيد للرياض في مجموعة العشرين. مكانة دفعت البلدين إلى تأسيس "مجلس تعاون استراتيجي مشترك" وغير خفي تلك الأدوار التي ستكون لهذا المجلس في تسوية ملفات المنطقة وفي مقدمتها ألاعيب المارد الإيراني بشكل مباشر في اليمن وسورية والعراق ولبنان ومن وراء الستار في البحرين والجزائر وتونس وليبيا.
تدريجيا بدأ الخط السعودي الجديد في المنطقة يبدد الشكوك، ويفرض نفسه كرقم أساسي في أي معادلة تُطرح لتسوية أي قضية من القضايا الشائكة في الإقليم العربي، لا بل بلغ مرحلة ضبط التوازنات في وجه التبدلات الجيوسياسية الكبيرة الناجمة عن الشطرنج السياسي المتحرك للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا في ضوء الاتفاق النووي الإيراني.
وعليه صار الرياض مقصدا لذوي الحقوق وأصحاب الشرعية الديمقراطية في الإقليم العربي، وهكذا استقبلت ثوار سورية ووقفت إلى جانبهم ضد طاغية أراد أن يضحي بالشعب من أجل بقائه، واحتضنت قبل ذلك ملف تسوية الصراع اليمني منذ بدايته إلى اليوم، ومقصدا لممثلي القوى الغربية والهيئات الدولية بعدما أدركوا أن الحسم في أي قرار عربي لا بد أن يمر بالرياض.
ثمار الدبلوماسية النشيطة للرياض التي فرضها التوجه السعودي الجديد لم تتأخر كثيرا، إذ نجحت السعودية في إرساء معالم استراتيجية عربية إسلامية قوية تواجه التحديات المتعاظمة التي تستهدف المنطقة من الداخل والخارج على السواء... والآمال لا تزال معقودة بعد التحركات الأخيرة والمكوكية على الجبهتين العربية والإسلامية لوضع حد للدم العربي السيّال.