النمو العالمي .. شديد البطء لفترة شديدة الطول
لا يزال النمو العالمي مستمرا، ولكن معدلاته مخيبة للآمال بصورة متزايدة، ما يعرض الاقتصاد العالمي إلى مزيد من المخاطر السلبية. إنه نمو شديد البطء لفترة شديدة الطول.
ويتنبأ العدد الصادر أخيرا من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي بحدوث ارتفاع طفيف في معدل النمو هذا العام، من 3.1 في المائة إلى 3.2 في المائة، ثم يصل إلى 3.5 في المائة في عام 2017. غير أن التفاؤل في توقعاتنا للنمو آخذ في الانحسار مع مرور الوقت.
ويعكس تخفيض التنبؤات حالة التباطؤ الاقتصادي واسع النطاق في كل البلدان، الذي نشأ عن استمرار الاتجاهات العامة التي سلطنا عليها الضوء في أعداد سابقة من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي. وكما هو معتاد، يوجد تنوع كبير في الأداء داخل مجموعات البلدان.
غير أن السيناريو المركزي الذي يتوقعه تقرير آفاق الاقتصاد العالمي يبدو الآن أقل عرضة للنتائج الأسوأ الممكنة. ولدعم النمو العالمي والوقاية من مخاطر التطورات السلبية التي تهدد هذا السيناريو الأساسي، نقترح منهجا للسياسات يقوم على ثلاث ركائز تغطي السياسات النقدية وسياسات المالية العامة والسياسات الهيكلية.
ما أهم المخاطر المقلقة بالنسبة لنا؟ أبرزها مخاطر مالية وأخرى غير اقتصادية:
ــــ منذ الصيف الماضي، شهدنا جولتين منفصلتين من الاضطرابات المالية العالمية اتسمتا بمبيعات اضطرارية مفاجئة للأصول الخطرة، وزيادة في تجنب المخاطر، وارتفاعات حادة في فروق العائد على السندات السيادية للأسواق الصاعدة، وانخفاضات حادة في أسعار النفط وغيره من السلع الأولية. وقد حققت الأسواق تعافيا كبيرا في المرتين، ولكن يقال إن رد فعل المستثمرين جاء متجاوزا لما يمكن أن يبرره تغير أساسيات الاقتصاد، سواء على جانب الهبوط أو الصعود. وثمة احتمال أن يؤدي حدوث نوبات تقلب أخرى إلى نقل التداعيات إلى الاقتصاد الأوسع. وكما يوثق العدد الجديد من تقرير الاستقرار المالي العالمي، فإن هذه التذبذبات المالية تغطي اتجاها مطردا نحو تضييق الأوضاع المالية العالمية. ومن بين العوامل وراء هذا الاتجاه تزايد خروج التدفقات الرأسمالية الصافية من الأسواق الصاعدة.وبينما تمكنت معظم البلدان من التعامل مع هذه الظروف حتى الآن، فإن مزيدا من التوترات يمكن أن يبدأ في الظهور كما يوثق هذا العدد من آفاق الاقتصاد العالمي.
ــــ لا يزال الاقتصاد محاصرا بالاضطراب العنيف في عدد من البلدان، ومن أبرزها سورية، الأمر الذي يدفع الملايين من اللاجئين إلى اللوذ بالبلدان المحيطة وكذلك أوروبا. إنها كارثة إنسانية. وهي تمثل تحديا لقدرة الاتحاد الأوروبي على الاحتفاظ بحدود داخلية مفتوحة، كما أن تكرار وقائع الإرهاب أفضى إلى تفاقم التوترات القائمة. ومع الضغوط الأخرى الاقتصادية، كانت النتيجة في أوروبا هي تصاعد تيار قومي منكفئ على الداخل. ومن ملامح هذا التيار أن هناك احتمالا حقيقيا أن تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، مما يضر بمجموعة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية. وفي الوقت نفسه، يشهد توافق الآراء السياسي عبر البلدان الأوروبية حالة من التآكل بعد أن كان دافعا للمشروع الأوروبي. وكما هو الحال في أوروبا، هناك ثورة في البلدان المتقدمة الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، ضد الاندماج الاقتصادي عبر الحدود، ما يهدد بوقف التقدم نحو مزيد من الانفتاح التجاري الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، أو حتى التراجع عن الخطوات المتخذة في هذا الاتجاه. ومن المؤسف أن هناك ما هو أكثر من ذلك. فهناك عدة اقتصادات ضمن الأسواق الصاعدة الكبرى تواجه انكماشات عميقة بسبب الصراع السياسي الداخلي أو الضغوط الجغرافية ـــ السياسية، كما يمر عدد من البلدان منخفضة الدخل بحالات من الجفاف أو الفيضان ارتباطا بظاهرة النينيو المناخية. وكلها اضطرابات يمكن أن تتصاعد التكاليف الناجمة عنها.
ومن الأسهل أن تؤدي هذه المخاطر لتقويض نتائج السيناريو الأساسي إذا كانت أكثر هشاشة بسبب انخفاض النمو:
ــــ فكلما ضعف النمو، زادت احتمالات أن تؤدي المخاطر السابقة، حال تحققها، إلى جذب الاقتصاد لمستوى الانهيار السريع، حيث لا يكون الطلب كافيا لتجنب النمو المنخفض، وهو توازن انكماشي وصفه بعض الاقتصاديين بأنه ركود مزمن.
ــــ وفي كثير من البلدان، أدى عدم نمو الأجور وزيادة عدم المساواة إلى توليد شعور شائع بأن ثمار النمو الاقتصادي ذهب معظمها إلى النخب ذات الهواتف المحمولة وأصحاب رؤوس الأموال، ولم تصل إلى أعداد غفيرة أخرى. ويعزز انخفاض النمو ذلك التحول نحو السياسات ذات الطابع القومي المنكفئ على الداخل.
ــــ باختصار، انخفاض النمو يعني حيزا أضيق للخطأ.
وفي هذا المناخ العام، ينبغي أن يركز صناع السياسات على مهمتين. الأولى هي دعم نتائج السيناريو الأساسي عن طريق تقوية النمو. ولا شك أن هذا الأمر ينطوي على قيمة في حد ذاته، ولكنه يحقق أيضا وقاية مهمة من مخاطر التطورات السلبية. أما المهمة الأخرى فهي وضع خطط للطوارئ يمكن الاعتماد عليها إذا ما تحققت مخاطر التطورات السلبية في المستقبل رغم سبل الوقاية المتوخاة. وتتطلب السياسة الفعالة بالنسبة للمهمتين اعتماد منهج يقوم على ثلاث ركائز.
ولكن صناع السياسات ينبغي ألا يغفلوا ضرورة الاستعداد لما يمكن أن يحدث من نتائج سلبية. فعليهم تحديد حزم السياسات المالية والهيكلية التي يدعم بعضها الآخر ويمكن تعميمها بصورة جماعية إذا ما تحققت مخاطر التطورات السلبية في المستقبل. وإضافة إلى ذلك، من الضروري لضمان صلابة الاقتصاد العالمي مواصلة التعاون الدولي لتحسين كفاءة النظام النقدي الدولي واستقرار المالية الدولية. وقد حدث تقدم كبير في هذا الصدد منذ الأزمة المالية العالمية، ولكن الأمر لا يزال يتطلب جهدا أكبر.
ومع مخاطر التطورات السلبية المحيطة بهذه الآفاق المتراجعة، يتطلب الأمر تحركا استباقيا فوريا. وأكرر، لم يعد هناك مجال كبير للخطأ.لكن بمقدور صناع السياسات الوطنية تعزيز الثقة ودعم النمو وتحقيق وقاية أكثر فعالية من مخاطر خروج التعافي عن مساره المتوخى، إذا امتلكوا إدراكا واضحا لما يواجهونه من مخاطر مشتركة وعملوا معا للاستعداد لها.