لا في جنسه أو لونه .. حقيقة الإنسان في عواطفه
يحتل الجسد في فلسفة باروخ سبينوزا موقعا مركزيا، فرغبته في تكوين فكرة عن الطبيعة البشرية، دفعته إلى الانخراط في عمل فلسفي رائد يهم معرفة الجسد وما يقدر عليه. فالإنسان حسب سبينوزا، يتكون من نفس وجسم، وهو موجود كما نحس به، كما يتعذر علينا الحصول على فكرة تامة ومتميزة عن هذا الاتحاد إذا لم نعرف قبل ذلك طبيعة جسمنا. لذلك دعا سبينوزا إلى ضرورة السعي إلى المعرفة الدقيقة بتركيب الجسد، واكتساب معرفة تامة وكاملة بانفعالاته، وتنظيمها وترتيبها وفق نظام ملائم للذهن.
طبيعة الجسم
ووفقا لدراسة أعدها الباحث المغربي إدريس شرود يعرف سبينوزا الجسم بمقدرته على التأثر بعدد أكبر من الأوجه، وبالتأثير في الأجسام الخارجية بعدد أكبر من الأوجه ...، وكلما كان للجسم قابلية من هذا النوع، كانت النفس أقدر على الإدراك. تشير عملية التأثير والتأثر إلى طبيعة الجسد من حيث مقدار قوته وكمية شدته، وإلى خاصية الحركة أو السكون والسرعة أو البطء التي تميزه، ومدى استعداده لإقامة علاقات ممتدة في الزمان مع الأجسام الأخرى.
يشدد سبينوزا على كل ما يحافظ على نسبة الحركة والسكون والسرعة والبطء التي تربط بين أجزاء الجسم البشري، في علاقته بذاته وبالأجسام الخارجية. فكل ما يحافظ على نسبة الحركة والسكون التي تربط بين أجزاء الجسم البشري إنما هو حسن، وكل ما يغير من نسبة الحركة والسكون بين أجزاء الجسم إنما هو سيئ. ويترتب عن هذا التحديد السبينوزي للجسم البشري، استبعاد تميز الأجسام من حيث الجوهر. فالجسم البشري، يقول جيل دولوز بصدد سبينوزا، لا يتحدد بواسطة جنسه أو نوعه، أو بواسطة أعضائه ووظائفها، وإنما بواسطة ما يكون قادرا عليه، وبواسطة العواطف التي يكون قادرا عليها، سواء كان ذلك في الانفعال أو في الفعل. لهذا ينبغي، جعل الجسد قوة لا تختزل في الجهاز العضوي، وجعل الفكر قوة لا تختزل في الوعي.
النفس البشرية
تتمثل ماهية النفس أي قوتها، وفق منظور سبينوزا، في المعرفة والتفكير، وفي قدرتها على إدراك عدد كبير من الأشياء، ولاسيما إذا كان جسمها قادرا على التهيؤ بعدد أكبر من الأوجه. لكن عملية التفكير تفترض جسدا قادرا على التأثر بطرق مختلفة وعلى التأثير في الأجسام الخارجية بعدد كبير جدا من الأوجه. ولن يتأتى ذلك إلا بانهمام الفرد بجسمه وتقديم الدعم لنفسه حتى يصير قادرا على إدراك طبيعة ذاته وطبيعة الأجسام الخارجية من حوله، وبالتالي حصول فضيلة الفهم والتوافق مع نظام الطبيعة الكلية. تتأسس عملية الفهم هذه على مدى قدرة النفس على تكوين أفكار تامة ومعرفة واسعة وصحيحة بالأشياء، يكون من نتائجها خضوع النفس بشكل أقل للانفعالات المترتبة عنها، في نفس الوقت، تكون قدرة النفس على الانفعالات قدرة أعظم. لكل هذا دعا سبينوزا إلى ضرورة التهيؤ الباطني للنفس بصورة أو بأخرى حتى تنظر للأشياء بوضوح وبتميز، انطلاقا من معرفتها الواضحة والمتميزة للأشياء الجزئية، أي بواسطة المعرفة الحدسية أو المعرفة من النوع الثالث. وكلما تمكنت النفس من إدراك أشياء أكثر بهذه الطريقة، كان جزؤها الذي يظل باقيا جزءا أعظم؛ وبالتالي كان جزؤها الذي لا يتأثر بالانفعالات المناقضة لطبيعتها، أي بالانفعالات السيئة، جزءا أعظم.
تقوم أصالة التصور السبينوزي للجسم البشري - أو الجسد- على الرابطة القوية التي أقامها بين الجسم والنفس. فحين يقول سبينوزا: إن المدهش هو الجسد...ولا نعرف ما يستطيعه...، فإنه لا يريد أن يجعل من الجسد نموذجا، ومن النفس مجرد تابع للجسد. إن مشروعه أكثر لطافة. إنه يريد إسقاط شبه-تعالي النفس على الجسد. هناك النفس والجسد، ويعبران معا عن الشيء الواحد ذاته، أي أن صفة الجسد هي أيضا ما تعبر عنه الروح.
قدرة الانفعال
يعرف سبينوزا الانفعالات، بأنها تأثرات الجسم التي بها تزداد قوة فعله أو تنقص، وتعاون أو تعاق، وكذلك أفكار هذه التأثرات. فكلما خضعت النفس لبعض الانفعالات، فإن الجسم يكون متأثرا هو الآخر بانفعال يزيد في قدرته على الفعل أو ينقص. إن قابلية الجسم البشري للانفعال بدرجات متفاوتة من الشدة، يجعله قادرا على اكتساب معرفة كاملة بالانفعالات وترتيبها وفق نظام ملائم للذهن، بالارتكاز على عللها وخصائصها. لهذا يعطي سبينوزا اهتماما خاصا لثلاثة انفعالات أساسية تعود إليها جميع الانفعالات الأخرى، وهي:
- الرغبة: هي الشهوة الواعية بذاتها، وإنها عين ماهية الإنسان بوصفها مدفوعة إلى القيام بالأشياء الصالحة لحفظها. فالرغبة تعني جميع مساعي الإنسان واندفاعاته وشهواته وإرادته، وهي الجهد الذي يبذله الإنسان سعيا إلى الاستمرار في وجوده
- الفرح: هو انفعال تزداد به قدرة الجسم على الفعل أو تساعد، أي انتقال الإنسان من كمال أقل إلى كمال أعظم. من يعرف ذاته وانفعالاته بوضوح وتميز يشعر بالفرح.
- الحزن: هو انفعال تضعف به قدرة الجسم على الفعل أو تعاق، أي انتقال الإنسان من كمال أعظم إلى كمال أقل.
يشدد سبينوزا على الفرح والحزن، باعتبارهما انفعالين يميزان الوجود الفعلي للجسد وقدرته واستعداده. فالرغبة الناجمة عن الفرح يساعدها أو ينميها الفرح ذاته، وعلى العكس، فإن الرغبة الناجمة عن الحزن يضعفها أو يعوقها انفعال الحزن ذاته.
تطرح مشكلة قابلية الجسد على التأثير والتأثر، تساؤلات حول كيفية تأهيله وتنميته. لذلك أكد سبينوزا على ضرورة لقائه عددا كبيرا من الأجسام الأخرى التي تجدده باستمرار وتهيئه بعدد أكبر من الأوجه. تسهم هذه اللقاءات في امتلاكه لاستعدادات مختلفة، تسمح لجميع أجزائه بتأدية وظائفها على أحسن وجه، في الوقت نفسه تكتسب النفس معرفة وخبرة تجريبية، وتكون قادرة على التفكير والفهم، وعلى تصور أشياء كثيرة.
تحكم العقل
طرح سؤال العقل وقدرته على التحكم في الانفعالات إشكالات فلسفية حقيقية، فقد آمن الرواقيون بإمكانية التحكم فيها، لكنهم تراجعوا عن ذلك وربطوا هذه العملية بالتدريب والمراس الشديدين. في حين أكد ديكارت أن الانفعالات تتعلق بوجه خاص بالنفس وتنتج عن بعض حركات الأرواح التي تقويها وتدعمها. يعلن سبينوزا دهشته من الأهمية التي يعطيها ديكارت للنفس على حساب الجسم، ويعيب عليه عدم تمكنه من إدراك ذلك الترابط بين نظام الأفكار ونظام الأشياء. يقرن سبينوزا النفس بالعقل، ويرى أن للنفس سلطانا على الانفعالات، رغم أننا لا نملك قدرة مطلقة عليها. كيف يمكن إذن التحكم في الانفعالات حتى لا يصير المرء عبدا ويكون مجبرا على القيام بالأسوأ؟
ينبهنا سبينوزا إلى ذلك الترابط القوي بين نظام الأفكار ونظام الأشياء، فكما أن نظام الأفكار وترابطها في النفس يوافقان نظام انفعالات الجسم وترابطها، فبالعكس أيضا يوافق نظام انفعالات الجسم وترابطها نظام أفكار الأشياء وصورها الذهنية وترابطها في النفس. يتأسس هذا الترابط بين نظام الأفكار ونظام الأشياء على معرفة صحيحة بمختلف العلل والأسباب، التي تسمح بتمييز الأفكار الصحيحة عن الأفكار الباطلة والوهمية والمشكوك فيها. وتساعد هذه المعرفة على الزيادة في قدرة الجسد، وعلى أداء عدد كبير من الأفعال، وبالتالي الخضوع إلى عدد قليل جدا من الانفعالات السيئة.
تتأسس إذن فاعلية الجسد على قابليته للتأثر بالأجسام الخارجية والتأثير فيها، وقدرته على تنظيم وترتيب انفعالاته وفق نظام ملائم للذهن. لذلك فهو مطالب بتنظيم الالتقاءات، والرفع من قوة الفعل، والتأثر الذاتي بالفرح، وتكثير العواطف التي تعبر عن أكبر قدر من الإثبات أو تحتوي عليه. وبالتالي تصير ماهية الجسد هي سعيه للحفاظ على استمرار كيانه، والبحث عن ما يقوي قدرته ويفيده وفقا لقوانين الطبيعة وطبيعته الخاصة. يطلق سبينوزا على هذه الرغبة اسم الفضيلة أو السعادة، التي تتطلب العيش بمقتضى العقل.