رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


عملوا «البحر طحينة»

لم يمض وقت طويل، حتى بدأ الإيرانيون بالتململ والانتقاد بسبب بطء جني ثمار رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران لعدة سنوات. والحق، أن نظام علي خامنئي روج في الفترة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي بين طهران والبلدان الغربية، أن أرباح الاتفاق ستأتي بسرعة، وأن نمو الاقتصاد سيعود بوتيرة قوية، وأن العملات الصعبة ستعم الأسواق الإيرانية، وأن الشركات الغربية ستتوافد على البلاد بزخم كبير، بل إن هذه الشركات ستتصارع فيما بينها للفوز بحصص في حركة الاقتصاد الإيراني! روجت أيضا، لحركة تشغيل واسعة تقضم النمو المتعاظم للبطالة، كما أنها لم تتوقف عن التهديد بأنها ستزيد من حجم إنتاجها النفطي إلى مستويات تاريخية، واستهانت بكل المحاولات الجارية حاليا لتثبيت إنتاج البلدان النفطية ضمن "أوبك" وخارجها.
بالتعبير العامي المعروف، عمل خامنئي ومعه حسن روحاني "البحر طحينة"، واستغل هذا الأخير التهافت الواضح الذي ظهر على الساحة من جانب بعض المؤسسات والشركات الغربية (وتحديدا الأوروبية)، وعلى أساسه "دعم" حملة تسويقه للازدهار القادم بسرعة إلى إيران! كما استغل أيضا الهدوء في مواقف إدارة الرئيس باراك أوباما المرنة في أعقاب التوقيع على الاتفاق المذكور. واستند روحاني بالطبع، إلى حرص مرض من جانب أوباما على إنجاح الاتفاق بأي ثمن. فهذا الأخير كان واضحا أنه لا يريد مغادرة البيت الأبيض إلى غير رجعة، دون أن يحول الاتفاق من حالة التوقيع إلى مرحلة التمكين! بل تحدى غالبية المؤسسات التشريعية الأمريكية نفسها، التي أبدت (ولا تزال) شكوكها حيال النيات الإيرانية المريبة والخطيرة.
لكن الأوهام لا تدوم، على عكس الحقائق التي تظهر لتبقى. فجأة برد تهافت الشركات الأوروبية، وأعلنت المؤسسات المصرفية الغربية، أنها ليست مستعدة للتعامل مع إيران بسرعة، خوفا من غضب أمريكي لن يكون رحيما. بل إن الحكومة الفرنسية نفسها التي استقبلت روحاني في زيارة رسمية، أكدت من خلال رولان فابيوس وزير خارجيتها السابق، أنه لا بد من إبقاء سيف العقوبات جاهزا، بل إنه طالب بفرض عقوبات جديدة في أعقاب التجربة الصاروخية الإيرانية الأخيرة. وعلى غير عادته في الصراحة، قال أوباما علنا "إن عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي ستستغرق وقتا". وهذا في الواقع، يؤكد الحقائق الموجودة على الأرض. فإيران ليست مهيأة بالفعل لأن تكون جزءا من الاقتصاد العالمي، ليس فقط للشكوك حول عوائدها التي تذهب لعمليات التخريب والإرهاب في المنطقة وخارجها، بل أيضا لأن مؤسساتها غير جاهزة لمثل هذه الخطوة.
فهي تحتاج لأموال طائلة (على سبيل المثال) كي تعيد تأهيل آبارها النفطية، إذا ما أرادت الإنتاج عند الذروة. وتحتاج أيضا إلى آليات مصرفية متطورة لن تحصل عليها قبل وقت طويل، كما تنقصها النزاهة في التعاملات التجارية وما يرتبط بها، في ظل وجود أعلى معدلات الفساد فيها، فضلا عن سيطرة ما يسمى بـ "الحرس الثوري" على أكثر من ثلث اقتصاد البلاد. الأمر ليس فسحة، وهو خاضع لمعايير كثيرة، لا تفيد معها اندفاعات باراك أوباما المريبة تجاه إيران والاتفاق، دون أن ننسى أن نسبة كبيرة من إدارة هذا الأخير الراحلة قبل نهاية العام الجاري، لا تتفق معه في نظرته هذه. وعندما يتم تقدير وجود 70 في المائة من الإيرانيين من أولئك الذين يشككون في جدوى رفع العقوبات عن بلادهم، فهذا أمر واقعي جدا.
لم ير هؤلاء أي آثار إيجابية عملية لرفع العقوبات على معيشتهم، وبالتأكيد لم يروا آثارها في مستقبلهم. الذي حدث أن النظام الحاكم لديهم كذب كثيرا في هذا المجال، في إطار كذبه الدائم في أي شيء. لقد مارس "التقية" التي ينجح فيها حتى على شعبه!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي