اغتيال الحقائق تحت لافتة الشعارات
هناك كتب لا بد من قراءتها باستمرارها، لأنها لا تبوح لك بكل أسرارها دفعة واحدة، وأنها ضنينة بمعناها فلا تجود بقسط منه إلا لمن يواظب على الإمعان فيها. ضمن هذه الدائرة من الخالدات يقع كتاب "رسالة في العبودية المختارة" لمؤلف إتيين دي لابواسييه الذي كتب الكاتب البريطاني الكبير ويل ديورانت في وصف صاحبه قائلا: "إنه كان بارعا في أن يشعل النار ويقذف بها في الهواء، ولكنه كان من البراعة أنه يطفئها قبل أن تصل مشتعلة إلى الأرض، وأنه كان من النبل أنه لم يكن ليهدم بيت جاره قبل أن يعد له المسكن اللائق به".
نشرت هذه الرسالة بعد قرابة ثلاثة قرون من وفاة كاتبها، في ريعان شبابه عن عمر يناهز 32 سنة، على يد صديقه ميشيل مونتنييه، الذي برر تأخر عملية النشر بقوله إن في الرسالة "حياكة أدق وألطف من أن تخرج إلى الجو الخشن الذي اتسمت به العلاقة بين حركة الإصلاح الديني وبين الدولة الملكية"، التي وصلت حد اللاعودة -كما تفصح بذلك كتب التاريخ - بعد مذبحة أشياع كالفن المعروفة بليلة القديس بارتوليمي.
يحظى هذا النص اليوم بانتباه منقطع النظير من جانب المشتغلين بالفلسفة السياسية وعلم الاجتماع، لكن لا بد من التنبيه إلى أنه من العسير جدا اختزال رسالة محبوكة بدقة كتبت في زمن عز فيه الكلام في مقالة بهذا الحجم. فقد كان تناول لابواسييه للعبودية من خلال شقين؛ أحدهما خصص لمسألة الحرية والآخر كان موضوع الطاغية، بأسلوب استفهامي مثير ينم عن رؤية هذا الشاب لما لا يراه غيره في الحياة السياسية والاجتماعية بل حتى في الناس. وتبقى ميزتها في أهمية الموضوع أولا، والمعالجة الأخاذة له والمطعمة بشواهد من التاريخ والطبيعة ثانيا، وأخيرا صدورها في وقت بسط فيه الاستبداد فسطاطه والناس مستسلمون طائعون.
هي إذن محاولة لإعادة فهم جذور الطغيان والاستبداد واستنفار النفوس للهرولة نحو الحرية، فمنذ البدء يتساءل لابواسييه: "كيف أمكن هذا العدد من الناس أن يتحملوا أحيانا طاغية لا يمتلك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته"، فالسبب الأول الذي يجعل الناس ينصاعون طواعية لنير الاستعباد هو كونهم يولدون رقيقا وينشؤون كذلك، والولادة هنا ليست بجينات الرق، لكن في المناخ المحيط بالإنسان الذي يصيره كذلك، فالرق لا يعدو أن يكون ثقافة مكتسبة في آخر المطاف.
إن الأفراد تترك القيود تكبلها أو بالأحرى تكبل نفسها بنفسها، فأي تعاسة هذه أن نرى عددا لا حصر له من الناس لا أقول يخدمون بل يستبد بهم، لا ملك لهم ولا أهل ولا نساء ولا أطفال، بل حياتهم نفسها ليست لهم. أكثر من هذا يستغرب الكاتب من أن تحمل كل ضروب القسوة والسلب والنهب يكون من واحد هو في معظم الأحيان أجبن من في الأمة.
#2#
هذا ويعتبر الحرية شيئا طبيعيا، فالناس لا يولدون أحرارا فحسب، بل مفطورون على حب الحرية والذود عنها، فحتى العيش وفق الحقوق الممنوحة من الطبيعة (إشارة إلى أول نص تشريعي للفقيه ترييونيان الذي صاغ فكرة القانون في العهد الروماني، وميز بين قانون الطبيعة أو ما يعرف بقانون كل الشعوب وقانون الدولة)، والدروس التي تلقننا إياه يحتم على الإنسان ألا يكون مسخرا لأي كان سوى عقله، على حد تعبيره.
ثم يعقد مقارنة رائعة بين الحيوان والإنسان، فكثير من الحيوانات لا تقع في الأسر، ولا تستسلم حين اقتناصها إلا بعد استنفادها شتى طرق المقاومة، بكل ما تملك معلنة بذلك إعزازها لما تفقده، بل إن قبولها العيش والبقاء يكون بغاية رثاء ما خسرته من حرية لا التنعم بالعبودية. وفي المقابل نجد الإنسان لا يبدل أي قوة للرغبة في الحرية التي يفقدها، ذلك الخير الأعظم الذي إن ضاع ما يلبث أن تتبعه النوائب التي تفسد طعم وجمالية ما تبقى للإنسان، إن بقي هناك شيء أصلا.
تتفاوت الأسباب التي تكون وراء انسياق الإنسان إلى العبودية، فهو إما مكرها وإما مخدوعا دون إغفال العادة التي تعد أول أسباب العبودية المختارة. لكن الغريب هو لعبة النسيان التي يدخل فيها الإنسان بعد سقوطه ضحية العبودية، حتى ليخال نفسه لم يخسر الحرية، بل كسب جديدا هو العبودية.
أكيد أن بقاء هؤلاء الطغاة في سدة الاستبداد واستتباب حكمهم هو شغلهم الشاغل، أمر توقف عنده الكاتب في نهاية رسالته متحدثا على لسان أحد الطغاة بأن أساس وسر دوام الاستعباد والاستبداد يعود إلى تعويد الناس على أن يدينوا لهم لا بالطاعة والعبودية فحسب، بل بالإخلاص أيضا.
نعم فالإخلاص هو مفتاح السيادة وسرها، فلا قوة الجيوش ولا كثرة الحراس ولا عدة العتاد هي التي تحمي الطغاة، بل قلة لا تتجاوز رؤوس الأصابع من الأفراد أو الحاشية هم من يبقون الطاغية في مكانه ويضمنون له الاستمرارية. لأنه ينتفع في كنف كل واحد من هذا الرهط مئات إن لم تكن آلاف التابعين له في مناصب الحكم في الدولة في سلسلة أتباع ما أطولها.
هذه السلسلة من الأتباع هي التي تسمح للطغاة بارتكاب كل المظالم على الشعب باسم الشعب، فباسم الحرية ألغيت كل حرية تحت شعار كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب، فصارت الحقائق تغتال تحت يافطة الشعارات فيكسب القاموس كلمة ويخسر الواقع حقيقة على حد تعبير الكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم.