«أوباما» يحول أمريكا من «أمة لا غنى عنها» إلى «أمة تتراجع»
يدرس الكاتب فالي نصر، الخبير في شؤون منطقة الشرق والعالم الإسلامي في كتابه الجديد، تراجعَ السياسة الخارجية الأمريكية إبان فترة أوباما. وتنبع أهمية الكتاب وفقا للباحثة السياسية نسرين جاويش من أن كاتبه يحلل السياسة الخارجية الأمريكية لإدارة أوباما في فترتها الأولى خلال فترة عمله مستشارًا لممثل الرئيس لأفغانستان وباكستان، الأمر الذي جعله قريبًا من عملية صنع القرار الأمريكي. ويذهب الكاتب إلى أن الدور القيادي للولايات المتحدة خلال الفترة الرئاسية الأولى لباراك أوباما تضاءل على مستوى العالم، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بملفات مثل: الشرق الأوسط، وإيران، وأفغانستان، وباكستان.
ينتقد نصر السياسة الخارجية الأمريكية إبان فترة ولاية أوباما الأولى، ويصف استراتيجيتها بالضعف والارتباك تجاه ملفات بعينها، وهو ما نتج عنه تراجع دورها القيادي العالمي في مواجهة صعود قوى أخرى. ويُشير إلى أن إدارة أوباما المُرتبكة أدت إلى تحول الولايات المتحدة من "أمة لا غنى عنها" إلى "أمة تتراجع". ويؤرخ الكتاب لبداية التراجع عندما قام أوباما بالاستغناء عن خدمات الدبلوماسي ريتشارد هولبروك، المبعوث السابق في أفغانستان وباكستان، ليكشف أن هولبروك رغم تاريخه العريض وخبراته لم يحظَ بلقاء منفرد مع الرئيس أوباما حتى رحليه، وهو ما يدلل به على أن الرئيس الأمريكي لا يطيق الاستماع إلى الأصوات القوية، ومنهم هولبروك. وقد صاحب ذلك طغيان الأجندة الداخلية والحملات الانتخابية على أولويات إدارة أوباما، ليحل بعدها في المرتبة الثانية السياسة الخارجية.
صراع صنع السياسة
يُسلط نصر الضوء في الجزء الأول من كتابه على الصراعات المُحتدمة داخل الإدارة الأمريكية إبان الفترة الأولى لأوباما، ويصفها "بالبيروقراطية المحيطة بالرئيس الأمريكي"، التي جاءت في مرحلة حرجة من تحديد خطى استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة، خاصة مع تشكل القوى الجديدة في المنطقة من خلال الثورات التي اجتاحت معظم دولها مع نهاية عام 2010 وبداية عام 2011، واستمرار الثورات وحالة الاحتقان الناتجة عنها في بعض الدول، وعلى رأسها النظام السوري.
ويدلل نصر على حالة البيروقراطية وكذا حالة الاقتتال بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية التي بدأت باستبعاد هولبروك، وكذا عدم التنسيق مع وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون؛ بموقفين مؤثرين: أولهما: عند قيام مستشاري الرئيس بكتابة تعليق له أثناء المقابلة مع الرئيس الأفغاني حميد كرزاي، بعد استبعاد هولبروك من الاجتماع، ذُكر فيه: "كل من هو في تلك الغرفة يمثلني، ومنحته ثقتي"، وهو ما فُهم منه أن الرئيس نفسه لا يثق كثيرًا في المبعوث. وثانيهما: يتعلق بوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون والرئيس أوباما، فلولا مثابرة كلينتون على سياسات البيت الأبيض ومحاولتها الدؤوبة الاتصال بالرئيس لفشلت الكثير من خطط السياسة الخارجية الأمريكية، ويدلل على ذلك باقتباس جزء من تصريحات كلينتون: ".. إن الرئيس ليس لديه تأثير على صنع السياسات على الإطلاق".
وهو ما يستند إليه نصر في تحليله لضعف السياسة الخارجية الأمريكية إبان هذه الفترة، ففي الوقت الذي كان فيه هولبروك يُدير معارك دبلوماسية، ويطرح حلولا دبلوماسية؛ انشغل الرئيس ورجاله في زيادة القوات بأفغانستان لمواجهة حركة طالبان.
ويهدف فالي في هذا الجزء إلى أن يوضح العلاقة الجدلية التي وُضعت ملامحها بين السيد هولبروك والبيت الأبيض، التي كانت نتيجة للحروب، والاختلافات الفلسفية، وأدت إلى الصدام المباشر، واختلاف الأفكار حول كيفية إنهاء الحرب في أفغانستان. وفي هذا السياق يُشير نصر إلى أن السياسات العدوانية لإدارة بوش والحرب الاستباقية التي أعلنتها الولايات المتحدة في مواجهة دول محور الشر؛ نتج عنها دخول الولايات المتحدة في حرب مُكلفة وغير ضرورية في العراق، وأدت إلى زيادة حجم الخسائر التي مُنيت بها ميزانية الولايات المتحدة، إضافة إلى ضعف سياساتها الخارجية، وهو ما ينصح به إدارة أوباما بالابتعاد عن مثل هذه السياسات والمناورات التكتيكية، والوصول إلى استراتيجية متماسكة، أو رؤية تسير على خطى ثابتة نحو القيادة العالمية، واستعادة دور الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى في العالم.
ويؤكد نصر أن أحد أسباب فقدان الرؤية وتحديد أسس الاستراتيجية الأمريكية كان نتيجة استبعاد هولبروك الذي أشرف على محادثات دايتون للسلام عام 1995، وأدت إلى إنهاء الحرب في البوسنة، فباستبعاده فقدت الإدارة الأمريكية مفكرًا استراتيجيا بارعًا وأحد عمالقة الدبلوماسية الأمريكية كهنري كيسنجر، خاصة مع تميزه بالمعرفة المُتعمقة للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وقدرته على تقديم المبادرات التي يوافق عليها جميع الأطراف المتصارعة، وكذا صياغة الأفكار الدبلوماسية التي قوبلت بالرفض من قبل البيت الأبيض، وهو ما يُعتبر من وجهة نظر نصر بالخسارة التي لا تعوض للسياسة الخارجية الأمريكية.
الديناميات الإقليمية
أحد الملفات التي يوجه نصر انتقاده لها، ويُلقي من خلالها الضوء على كيفية إدارة أوباما للسياسة الخارجية الأمريكية دون دراسة متعمقة للجغرافيا السياسية والديناميات الإقليمية، تتمثل في كيفية التعامل مع دولة كبيرة ومؤثرة بحجم (مصر)؛ حيث يؤكد أن أوباما قام في بداية الانتفاضة بإعلان دعمه للنظام الحاكم في رد فعل سريع، وبعد مثابرة وصمود المتظاهرين ومع ترجيح التحليلات لتنازل الرئيس السابق حسني مبارك عن الحكم، سرعان ما أعلن أوباما دعمه وتأييده للجماهير.
وهو النهج ذاته الذي اتبعه مع النظام السوري، وتأييده له، ثم التغير في الموقف بعد ذلك، ويرى أن الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض في السنوات الثلاث الأخيرة قد أسهمت في تحول ما سمي "الربيع العربي" إلى "الصداع العربي" وهو محصلة طبيعية لسياسة "تنظيف أيادي أمريكا من مشكلات الشرق الأوسط" من أفغانستان إلى ليبيا. وفي جميع المواقف التي مرت بها المنطقة بعد التقلبات الأخيرة كان يُنظر إلى أوباما على أنه لا يجيد قراءة تطورات الشرق الأوسط جيدًا.
ويقترح نصر تطبيق "خطة مارشال للمنطقة" التي يراها الحل الأمثل على الرغم من كونها ستحمل الميزانية الفيدرالية الأمريكية مبالغ طائلة، لكنها أفضل مقارنةً بالعقبات التي تواجهها الولايات المتحدة حاليا في تطبيق سياساتها في منطقة الشرق الأوسط كما يرى نصر، خاصة أنه على مدار عقود متعاقبة ذهبت معظم المساعدات الأمريكية لحكومات الشرق الأوسط دون وصولها إلى الجماهير، وهو ما أدى إلى حالة من الانفصال ما بين هذه الحكومات وشعوبها من جانب، ومن جانب آخر أدت إلى إثراء هذه الشعوب سياسيا، ولكن مع تحفظها ومناهضتها لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، التي رأتها حينذاك الداعم الأكبر لهذه الحكومات السلطوية.
ويدعم نصر اقتراحه بأن منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي متورطة في مزيج قاتم من الثورات، فهي مزيج من الثورة على الأنظمة السلطوية الحاكمة، وكذا ثورة على دعم الولايات المتحدة المستمر لهذه الأنظمة الحاكمة والحليف الأكبر لها. ويرى نصر أن المشكلة الحقيقية التي تواجه البيت الأبيض حاليا هي "صعوبة وضع استراتيجية جيدة، في حين أن الخيارات كلها تبدو سيئة، ولها الكثير من العواقب السلبية".
وفي تفسير سلوك أوباما في الشرق الأوسط يذكر أن الرئيس الأمريكي قد وقع في منطقة خطرة من التفكير عندما أراد أن يعقد صفقة بموجبها تحتفظ بلاده بـ"وجود محدود" في الشرق الأوسط في مقابل تركيز أكبر على مشروعه الأهم -من وجهة نظره- وهو زيادة الاهتمام بوجود أكثر عمقًا في القارة الآسيوية، وهو التوجه الاستراتيجي الجديد لإدارة أوباما للتحرر من الاعتماد على الموارد الطبيعية في العالم العربي، والاقتراب من مناطق نفوذ الصين، ومنعها من تحقيق مزيد من التوسع في منطقة شرق آسيا، وتخفيف "الخناق" الصيني على باكستان وإيران وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط.
ومن جهة أخرى، تريد روسيا أن تحصل على نصيب لها من خلال المشاركة في العقوبات المفروضة على إيران في مقابل إطلاق يد موسكو للسيطرة على طرق نقل الطاقة في منطقة آسيا الوسطى، والحفاظ على وضعها "الاحتكاري" في تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي، وربما تعظيم التفوق الروسي.
وما يراه المحللون الأمريكيون في الطريقة التي يتعامل بها أوباما مع الملف الإيراني أن سياسته تؤجل حيازة طهران السلاح النووي، ولكنها لا تمنع امتلاكها لتلك القدرات، بمعنى أن السنوات الخمس ربما يتم ترحيلها لتصبح عشر سنوات، وفقًا لما يؤكده نصر، ولكن من المحتمل أن تطيح كل من روسيا والصين خلال تلك الفترة بالولايات المتحدة من مناطق نفوذ استراتيجي مهمة عالميا، ويطرح نصر سؤالا: "هل من الحصافة أن تقوم الولايات المتحدة باحتواء إيران من خلال دعم خطط الصين وروسيا للصعود إلى القمة؟".
فيما يتعلق بمناطق التمدد الروسي والصيني، يذكر نصر أنه لا يوجد قطاع في الاقتصاد الباكستاني لا يوجد فيه موطئ قدم للصين، ويعتبر المسؤولون والمجتمع الباكستاني الوجود الصيني مقبولا بلا تحفظات، في مقابل عدم ترحيب كامل بالصديق "الاستراتيجي" الأمريكي. متوقعًا أن يكون الشرق الأوسط اليوم في بؤرة اهتمام بكين.
وعليه فإن نصر يؤكد ضرورة مشاركة الولايات المتحدة الدبلوماسية سياسيا واقتصاديا في منطقة الشرق الأوسط، وكذا في وسط وجنوب آسيا في مواجهة العملاق الصيني والدب الروسي حتى لا تفقد أمريكا دورها كقوة عظمى.