روسيا تنسحب.. ونظام الأسد عاريا أمام جرائمه
على شاكلة قرار التدخل عسكريا- في سورية- المفاجئ نهاية شهر سبتمبر/ أيلول، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتماد ذات الأسلوب عند إعلانه عشية الإثنين 14 مارس/ آذار الشروع في انسحاب القوات الروسية من المستنقع السوري الذي كلّف أحفاد ستالين خسارة 109 عسكريين، وفق تقارير غير رسمية.
وصف الخطوة بالمفاجئة عائد بالدرجة الأولى إلى أن الروس وضعوا سقفا زمنيا مفتوحا لتدخلهم العسكري، يراوح بين 12 و18 شهرا عند إعلان نيتهم الشروع في التدخل. وبالدرجة الثانية إلى التبرير الذي قدّمته موسكو ذريعة لعملها العسكري، والذي كان توصلها بطلب رسمي من دمشق للمساعدة في محاربة "الإرهاب". والواضح أن كلا المعطيين لم يتم التقيد بهما أو تحقيق أي منهما، بعد قرار الخروج هذا؛ فلا السقف الزمني انقضى ولا نظام الأسد طلب وقف التدخل.
تباعا، كثرت الأقاويل وانتشرت التأويلات بين من يتحدث على أن نظام بشار كان محط صفقة توافقات بين القوى الكبرى، خصوصا، والتاريخ يشهد بأن روسيا لم تدافع قط عن قضية حتى النهاية بل تتشبث بها إلى حين تحقيق بعض من مصالحها ثم تتخلى عنها. مع دعم هذا القول بالابتزاز الذي شرع نظام الأسد- وفق تقارير استخباراتية- بممارسته مع صناع القرار في الكرملين، بالتعنت والمزاجية في المواقف- مثلا تصريح وليد المعلم الأخير بأن بشار الأسد خط أحمر في أي تسوية مستقبلية- معتمدا على دعم النظام الإيراني له. ويستدل هؤلاء على هكذا قول بأن بوتين اكتفى بإبلاغ الأسد هاتفيا بقرار الانسحاب، ما يعكس عمق الاستياء الروسي من مواقف بشار بشأن التفاهمات الروسية- الأمريكية حول الشأن السوري.
وقائل يرى بأن عودة الدفء العسكري إلى شبه جزيرة القرم وما جاورها، وازدياد وتيرة المشاحنات بين طرفي النزاع هناك، ألزم رجال موسكو على مغادرة الجبهة السورية، والاكتفاء بالجبهة الأوكرانية المتاخمة لحدود روسيا الفيدرالية. في هذا السياق، وجب الإشارة إلى أن هذا التدخل عدّ سابقا في تاريخ علاقات روسيا مع البلدان العربية، وهو الأوسع نطاقا خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ حرب أفغانستان. مضاف إلى ذلك وضع الاقتصاد الروسي المترنح تحت وطأة الحصار، فدراسة حديثة لـ"معهد واشنطن" تفيد بأن التكلفة المالية للحملة العسكرية الروسية على سورية تراوح بين 2.4 مليون دولار وثلاثة ملايين دولار يوميا.
ورأي ثالث يعتبر أن المسألة برمتها لا تعدو أن تكون مجرد مهمة استعراضية قدّمها الدب الروسي في منطقة جيو استراتيجية؛ حساسة جدا، ومحط نزاع وتوتر مستمر. معلنا بذلك عودة موسكو إلى معادلة الأقوياء بعد فترة كمون امتدت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، فطوال 177 يوما الذي جرت فيه تلك العمليات شنّت المقاتلات الروسية، وفق تصريح لوزير الدفاع الروسي، تسعة آلاف غارة جوية، وكانت فرصة لتجريب أحدث ما أنتجته الروس في الأسلحة (صواريخ مجنحة، قاذفات سو 34، طائرات...)، وهو ما لم يتردد الرئيس الروسي في الإفصاح عنه ذات مؤتمر صحفي، بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015، بقوله: "إن العمليات في سورية تعد تدريبات عسكرية ذات تكلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية".
صحيح أنها مجرد تكهنات أو تخمينات يحمل بعضها عناصر الإجابة، أو ربما تندمج كلها لتكون الجواب عن أسباب توقف المارد الروسي عن استعراض عضلاته بعيدا عن أرضه على غير عادته. فالتاريخ يسجل أن الأمر عادة ما يتم على حساب الدول المجاروة. فروسيا سبق لها أن جربت قواتها في نزاعات مع جورجيا وأوكرانيا عامي 2008 و2014، لكن صعوبة التدخل في سورية تكمن في بعدها عن مراكز قيادة الجيش الروسي.
مهما يكن من أمر، عن هذا التغير المفاجئ الذي ستكشفه الأيام المقبلة، وجب الإشارة إلى جملة من العناصر المساعدة على قراءة المشكلة السورية، وبالتالي فهم أعقم لما جرى ويجري ميدانيا في تعامل مختلف القوى الدولية مع هذه الثورة التي طال عليها الأمد.
أولا: تود روسيا الخروج من المأزق السوري بصفة المنتصر، أي الذي حقق أهدافه، وليس بالضرورة انتهاء المشكلة أو الصراع. وهذا هو أفضل توقيت لفعل ذلك، قبل أن تجر إلى تدخل بري واسع النطاق، لأنه يعني تورطا أكبر في صراع لا تعرف نهايته، وربما الغرق في مستنقع تخشى موسكو من الانزلاق فيه، حتى لا تكرر السيناريو الأفغاني مع فاتورة تدخل مرتفعة اقتصاديا وبشريا.
ثانيا: إن فلاديمير بوتين لم يتحول بين عشية وضحاها من قائد عسكري إلى صانع سلام، وهو المولع باستعراض القوة والحلم بإعادة أمجاد روسيا الروسية وفق العقيدة الأوراسية. لكن متغيرات الميدان دفعته إلى الانسحاب تلويحا منه إلى أنه لا داعي أن تفكر قوى أخرى بالولوج إلى مسرح العمليات السوري، فالروس أدّوا المهمة وانصرفوا، ولا حاجة لتدخل عسكري آخر لقوى إقليمية. وفي ذلك أيضا تخفيف حدة امتعاض الرأي العام الغربي عموما، وتهدئة الرأي العام الروسي، بإظهار الحكومة غير متورطة في مغامرات خارجية.
ثالثا: فرضت المتغيرات العسكرية في الميدان التي حققتها قوى المعارضة على القوى الإقليمية مراجعة حساباتها، فالنظام بِزبانِيّته مدعوما بفيالق من الحرس الثوري الإيراني وألوية من حزب الله اللبناني مع حماية جوية روسية، وطوال أشهر من القصف المتواصل والمكثف لم يحرز تقدما يعتد به على الأرض، على نحو استراتيجي، بل على العكس تراجع النظام وحلفاؤه في مواقع كثيرة لمصلحة المعارضة المسلحة. هذا الحصاد الهزيل بعد أشهر من المعارك جعل الروس يتحسسون مستنقعا يلوح في الأفق، وحرب استنزاف طويلة الأمد على غرار ما حدث لهم في الشيشان.
الأكيد، أن المحاولة الروسية في سورية أخرجتها من العزلة الدولية التي فرضت عليها بسبب النزاع في أوكرانيا، والأكيد جدا أنها كانت درسا للقوى الكبرى في العالم يدعوهم إلى ضرورة إعادة ترتيب الأوراق وجدولة الأولويات في الشرق الأوسط.
فالسوريون امتعضوا من مسلسل مفاوضات لا يفضي إلا إلى الترتيب لجولة مفاوضات جديدة، فمفاوضات جنيف في نسختها الثالثة طي السريان في هذه الأيام، وقرارا مجلس الأمن 2254 و2268 لا بد أن يفضيا إلى مخرج للأزمة السورية يكون وليد ضغط وتحرك دولي حقيقي.
فلا ينبغي لتضحيات السوريين طوال خمس سنوات ونيف أن تذهب سدى ولا خيار للمجتمع الدولي إلا الوقوف إلى جانبهم من أجل تحقيق حلم دولة سورية ديمقراطية تتسع لكل طوائف المجتمع السوري لا طائفة واحدة سجلت البلدة في تركتها العائلية.