أحزاب إيران في المنطقة.. نسخ مكررة وإرهاب متسلسل

أحزاب إيران في المنطقة.. نسخ مكررة وإرهاب متسلسل

في أيار (مايو) 2014، زعم العميد حسين همداني قائد قوات «الحرس الثوري» في سورية أنّ إيران قد أنشأت "«حزب الله» ثانيا في سورية". ولعلّ همداني، الذي قُتل في وقتٍ لاحقٍ في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 خلال الهجمات المستمرة على حلب.
ووفقا لتقرير، يستند لأسماء القادة والفصائل، فضلا عن توزيعهم الجغرافي، أعده الباحث في معهد واشنطن وجامعة ماريلاند فيليب سميث فإن إيران ساعدت نظام الأسد منذ منتصف عام 2012 حتى منتصف عام 2013 في إنشاء عددٍ كبير من الميليشيات المحلية والإقليمية وبلورتها، بما فيها الفصائل المتمركزة في دمشق ضمن شبكة "لواء أبو الفضل العباس". في البداية، كانت هذه الجماعات تملك قواعد تجنيد محدودة وتعمل في مناطق محدّدة كفروع جانبية مؤقتة لـ "قوات الدفاع الوطني" في معظم الأحيان.
إلا أنّ وكلاء إيران اللبنانيين والعراقيين الشيعة ساهموا منذ أواخر عام 2012 في تحويل ميليشيات "شيعة الإثنى عشرية" السورية إلى نسخ من «حزب الله» اللبناني، وتبني جميعها إيديولوجية إيران المتمسكة بـ "ولاية الفقيه" وفي كثير من الحالات، قبلت مجموعات قائمة من "قوات الدفاع الوطني"، مساعداتٍ وإرشادات من قوات «الحرس الثوري» و«حزب الله» والميليشيات الشيعية العراقية التي تسيطر عليها إيران.
ولاحقاً في منتصف عام 2013، باشرت إيران في تحويل الميليشيات السورية الشيعية إلى جماعاتٍ متنقّلة وسريعة الاستجابة تملك مقاتلين تمّ تجنيدهم من شريحة واسعة من الشبكات والمناطق. فعلى سبيل المثال، كان قادة مجموعات "لواء أبو الفضل العباس" إمّا من العراقيين الشيعة القاطنين في سورية، وإمّا من السوريين الشيعة التابعين لقوّات الأسد. ومنذ أواخر عام 2013 حتى عام 2014، نُشرت فصائل من "لواء أبو الفضل العباس" كـ "لواء ذو الفقار" و"لواء الإمام الحسين" في مدينة درعا الجنوبية كما في شمال دمشق وتحديداً في القلمون. وفي أواخر عام 2014، أرسلت جماعاتٌ سورية شيعية كـ "قوات الإمام الرضا" (تعرف أيضاً كـ "قوات الرضا") المتمركزة في حمص قواتٍ للقتال في الغوطة الشرقية - خارج دمشق - والقلمون. وفي بداية عام 2015، ومع اقتراب قوات الثوار من الأراضي الجبلية الحدودية التي تقع تحت سيطرة العلويين (علماً أن نظام الأسد منتسب إلى الطائفة العلوية) ، نشر كل من "لواء الإمام حسين" و"لواء أسد الله الغالب" التابع لـ "لواء أبو الفضل العباس" قوّاتهما في اللاذقية. في بداية عام 2014، اتّخذت ميليشياتٌ سورية مختلفة اسم "«حزب الله» في سورية"، وساهم الوجود الجغرافي والعددي لـ "شيعة الإثنى عشرية" في البلاد بشكلٍ كبير في نموّ هذه الشبكة وتوسّعها. و"شيعة الاثنى عشرية" هي فرع من الإسلام يمارس من قبل النظام الإيراني وأتباعه اللبنانيين والعراقيين. ولا يشكّل "شيعة الاثنى عشرية" في سورية سوى 1 - 2 في المائة من السكان، إلا إنّهم مركزون في مناطق استراتيجيةٍ مهمة استخدمت لاعتراض خطوط التواصل والإمدادات التابعة للثوار بالقرب من حلب، والحدود اللبنانية السورية، وعلى طول الحدود الأردنية السورية.
وقد أصبحت بلدتا نبل والزهراء الشيعيتان المواليتيان لنظام الأسد في ريف حلب محور جهود الميليشيات الشيعية في سورية نظراً لتطويقهما الجزئي من قبل الجهاديين السنّة والثوار منذ عام 2013. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، تمّ إرسال عدد من الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية المتمرّسة إلى البلدتين حيث ساهمت في إنشاء ميليشياتٍ شيعيةٍ محلية. وتمكّن هؤلاء المقاتلون الأجانب، بمساعدةٍ من «منظمة بدر» و«كتائب حزب الله» العراقية، و«حزب الله» اللبناني من المساهمة في إنشاء "فوج الإمام الحجة" المحلي. وللدلالة على التركيز المحلي أولاً، شمل علم الميليشيا الكلمتين "نبل والزهراء" بالخطّ العريض. وقد خاضت هذه الجماعة عمليات قتالية قرب حلب وفي مناطق أخرى من ريف حلب. ووفقا لمزاعم الميليشيات الشيعية العراقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، شاركت الجماعة في انطلاق القوات الموالية للأسد من نبل والزهراء في كانون الثاني (يناير) 2016 وبلغت هذه العملية ذروتها في ارتباطها مع ميليشيات شيعية أخرى تقاتل في ضواحي حلب.
ومنذ عام 2014، تم تكليف مزيد من المقاتلين الشيعة السوريين في عملياتٍ في جوار حلب. وقد قاتلت وحدات متمركزة للميليشيات الشيعية في عددٍ من المعارك في المنطقة؛ ومن بين هذه الوحدات "جيش الإمام المهدي" و"المقاومة الوطنية العقائدية في سورية"، التي جنّدت مقاتلين من طرطوس والمناطق الجبلية الحدودية التي تقع تحت سيطرة العلويين. وخلال عامي 2015 و2016، تألّفت القوات المقاتلة المحلية أيضاً من ميليشيا سورية شيعية أُنشأت على صورة «حزب الله» وعُرفت باسم "الغالبون".
وعلى الحدود السورية الأردنية وتحديدا في بلدة "بُصرى الشام"، قادت وحدات «حزب الله» اللبناني قوة محلية مؤلفة من الأقليات الشيعية في البلدة وتحكمت بها. وقد هُزمت هذه الميليشيات في آذار (مارس) 2015 في هجومٍ مشترك للثوار السوريين والجهاديين السنّة، إلا أنّها وفّرت قوى بشرية كافية لمنع المعارضة من التقدّم إلى أن تدخّل مقاتلون أجانب شيعة آخرون مدعومون من إيران لمساعدتها والتخفيف عنها، في محاولةٍ باءت بالفشل.
أمّا على الحدود اللبنانية السورية، فقد وفرت حمص أرضا خصبة للمنظمات الشيعية الجديدة على وجه الخصوص. إذ تقوم "قوات الرضا"، وهي من فروع «حزب الله» الأكثر نشاطا، بتجنيد معظم مقاتليها من هذه المنطقة. ومحافظة حمص هي موطن لنسبة كبيرة من السوريين الشيعة الذين يعيشون في مدينة حمص وفي عدد من المناطق الحدودية المرتبطة بالمجتمع الشيعي اللبناني التابع لـ «حزب الله». وقد شهدت هذه المنطقة التي تقع فيها مدينة القُصير أوّل معركةٍ شاركت فيها قوات «حزب الله» في ربيع 2013. وبعد مرور بضعة أشهر على هذه المعركة، شاركت بعض عناصر الميليشيات الشيعية الحمصية في عددٍ من العمليات مع وحداتٍ من "قوات الدفاع الوطني" و«حزب الله» اللبناني، لا سيما في الأقسام الشمالية من مدينة حمص.
شكّل نجاح «حزب الله» في لبنان مثالاً تنظيميا ومصدر إلهامٍ للمنظمات الشيعية المسلحة التابعة لـ «حزب الله» في سورية. إلا أنّ إيران اتّبعت النموذج الذي استخدمته في العراق في إنشائها لـ "«حزب الله» في سورية"، ويقوم هذا النموذج على تطوير ميليشياتٍ من أحجامٍ مختلفة ومتعددة الأوجه وتنفيذ أهداف إيديولوجية وأخرى لنشر القوة الإقليمية، على غرار الجماعات اللبنانية والعراقية. ويناشد عدد كبير من الميليشيات الشيعية في سورية باعتناق أيديولوجية "ولاية الفقيه" الاستبدادية والمتطرّفة الإيرانية الوفية للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي على الصعيد السياسي والاجتماعي والديني. إضافة إلى ذلك، غالبا ما نقلت هذه الميليشيات تصريحاتٍ تتناسق مع تلك التي يدلي بها وكلاء إيران الآخرين في التوقيت والمضمون. ومن أحدث الأمثلة على ذلك، التصريحات والرسائل المنسجمة من قبل "قوات الرضا" و"لواء أبو الفضل العباس" من جهة ووكلاء إيران الآخرون اللبنانيين والعراقيين من جهةٍ أخرى حول إعدام الشيعي نمر النمر في السعودية. وبالنسبة لـ "لواء أبو الفضل العباس"، وهو أوّل ميليشيا شيعية كبرى في سورية، فدائما ما يرفع علم «حزب الله» إلى جانب العلم السوري في لافتات "الشهادة" والمدافن وغيرها من الوسائل الترويجية. حتّى أنّ علم «حزب الله» والعلم السوري رُفعا على مقبرة شقيق الأمين العام لـ "لواء أبو الفضل العباس" حسين عجيب جظة الذي قُتل في أواخر عام 2012. وفي بعض الأحيان، علّق أعضاء "لواء أبو الفضل العباس" شعاراتٍ تابعة لـ «حزب الله»، وزُيّنت مكاتب القادة بصور المرشد الأعلى علي خامنئي وسلفه آية الله روح الله خامنئي. وغالباً ما تضيف "قوات الرضا" علم «حزب الله» وصورة أمينه العام حسن نصر الله على لافتات الشهادة الخاصة بها. وتُغطّى نعوش القتلى في صفوف هذه الجماعة في معظم الأحيان بالعلم السوري وعلم «حزب الله» اللبناني أو بعلم "«حزب الله» في سورية".
وخلافا للعلويين والمسيحيين أو حتى السنّة المساندين للأسد، يتم ذكر جميع رجال الميليشيات الشيعية تقريباً الذين قُتلوا أثناء دفاعهم عن مقام "السيدة زينب" في جنوب دمشق أكثر من فعل حفاظهم على نظام الأسد. إن ذلك يُضفي الشرعية على مكانتهم كمحاربين مقدّسين ويساعد إيران على جذب المزيد من المقاتلين الأجانب إلى الصراع السوري.
وفي عديد من الحالات، لا يُذكَر في إعلانات الوفيات الخاصة بالمقاتلين التابعين للميليشيات الشيعية، عما إذا كانوا قد قُتلوا في معارك مع جماعاتٍ قائمة أو فرعية، بل يُذكر اسم المقاتل إلى جانب شعار «حزب الله» وعلم الأسد والقبة الذهبية لمقام "السيدة زينب".
ويخلص الباحث إلى أنه مع استمرار الحرب في سورية، سوف تبقى الجماعات الشيعية المسلحة في البلاد على ما هي. وتستمر إيران من خلال هذه الجماعات في تصدير ثورتها.

الأكثر قراءة