مستقبل العنف .. روبوتات وجراثيم وطائرات دون طيار

مستقبل العنف .. روبوتات وجراثيم وطائرات دون طيار

مثَّلت التطورات التكنولوجية المتسارِعة نقطة تحول في مستقبل التهديدات التي تُواجهها الدول المختلفة؛ حيث ترتب عليها تصاعد التهديدات الأمنية غير التقليدية الناتجة عن توظيف هذه التكنولوجيا في الصراعات، ما أدى إلى تحول في طبيعة العنف حول العالم.
في هذا الإطار، جاء هذا الكتاب المعنون بـ "مستقبل العنف: الروبوتات، والجراثيم، والقرصنة الإلكترونية، والطائرات المُوجَّهة دون طيَّار.. مواجهة عصر جديد من التهديد"، لكلٍّ من بنيامين ويتس Benjamin Wittes زميل أول في معهد بروكنجز، وجابرييلا بلوم Gabriella Blum أستاذ حقوق الإنسان والقانون الإنساني في كلية القانون جامعة هارفارد، والصادر في عام 2015. ويتناول الكتاب وفقا لقراءة وفاء ريحان، باحثة في العلوم السياسية، المجالات التكنولوجية الجديدة، وكيف حدث تحول في مجالات استخدامها، ما حولها إلى مصادر تهديد أدت إلى تغير طبيعة العنف في العالم، ثم بيّن كيف أثر ذلك التغير في مفاهيم، كالسيادة بالنسبة للدولة القومية، والعلاقة بين الحرية والأمن.

الثورة التكنولوجية القادمة
يُوضح الكاتبان أن التكنولوجيا يُمكن أن تخدم كلا من الأغراض المفيدة والضارة، وفي الوقت الحالي هذه التقنيات قادرة على توليد وتوجيه ما يُعرف بالتمكين الشامل، والذي يُعرِّفه الكتاب بأنه "السماح للمجموعات الصغيرة والأفراد بأن تتحدى الدولة ومؤسساتها التقليدية عن طريق استخدام التكنولوجيا".
فالتقنيات التكنولوجية الجديدة ذات سعر منخفض في الغالب، كما أنها متاحة للجميع، وتتحدى المسافات والعقبات المادية الأخرى، وأصبح العالم أكثر اعتمادًا عليها من أي وقت مضى في مجالات مختلفة مثل: الصحة، والزراعة، وفرص العمل والنمو الاقتصادي، بيد أنها تؤدي في الوقت نفسه إلى إيجاد عالم مملوء بالتهديدات.
ويذكر الكاتبان أن هناك ثلاثة مجالات تكنولوجية متميزة موجودة اليوم حيث قاما بالتركيز عليها، تتمثل في: شبكات الكمبيوتر، والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، وأضافا إليها مجالا آخر يتمثل في تكنولوجيا النانو التي لا تزال في بدايات ظهورها، ولكنها ستؤثر على الأرجح في كل المجالات التكنولوجية الثلاثة الأخرى في المستقبل القريب. وفي التالي سيتم تناول المجالات التكنولوجية التي ركز عليها الكاتبان:
1 - شبكات الكمبيوتر: تُشير الإحصاءات إلى أن هناك ما يُقدَّر بنحو 40 في المائة من الأسر حول العالم تستخدم الإنترنت، وأصبح هناك عديد من الأفراد أكثر قدرة على التلاعب بأجهزة الكمبيوتر المتصلة بشبكة الإنترنت، وبالتالي ازدادت القدرة على إطلاق الهجمات الإلكترونية والاستغلال السيبراني.
2 - التكنولوجيا الحيوية: يجمع مجال التكنولوجيا الحيوية بين المعرفة المتوافرة في مجال البيولوجي وبين معرفة التقنيات المتقدمة في مجالات الغذاء والدواء والزراعة والبيئة، وهناك الكثير من مجالات الصناعة التي تستفيد من هذه المعرفة.
وقد وصلت التكنولوجيا الحيوية إلى خطوات أكثر تقدمًا من تلك التي وصلت لها شبكات الكمبيوتر، كما زاد عدد الأفراد المتخصصين في مجالي علم الوراثة وعلم البيولوجي، وهذا التوافر المتزايد للهندسة الوراثية يهدد بإمكانية استخدام بعض الأفراد والجماعات المسلحة لهذه التقنية من أجل تطوير أسلحة الدمار الشامل بتكلفة منخفضة، كما يمكن أن تقوم بتطوير الأسلحة البيولوجية التي قد يكون لها تأثير يتخطى أسلحة الدمار الشامل.
3- الروبوتات: تُعد من أكثر المجالات الناشئة التي تحمل خصائص تكنولوجيا التمكين الشامل، وقد بدأت في اختراق سوق المستهلك، كما أدت التطبيقات العسكرية في استخدام الروبوتات إلى ثورة في مجال استخدامها، فصعود الطائرات الموجهة دون طيار عزز من الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب، ولم تعد هذه التطبيقات قاصرة على الاستخدام العسكري أو شبه العسكري، وإنما انتقل استخدامها إلى القطاع المدني أيضًا.
4 - النانو تكنولوجي: لا تزال هذه التكنولوجيا في بدايتها الأولى، ومن الأمثلة عليها الروبوتات الصغيرة Nanobots التي تُستخدم في عمليات الإنقاذ والبحث في الأماكن الخطيرة والصغيرة جدًّا، والتي لا يستطيع الإنسان أو الروبوتات الكبيرة دخولها، ويُعوَّل كثيرًا على هذه التقنية في الاستخدامات الطبية المتقدمة والكشف عن أمراض السرطان في مراحل مبكرة جدًّا، وكذلك الصناعات الإلكترونية المتقدمة في أكثر من مجال، وأنظمة تخزين البيانات بسعة ضخمة للغاية.
ويذكر الكاتبان أنه ليس من الواضح حاليًّا تأثيرات النانو تكنولوجي في مجال الأمن، سواء الشخصي أو العسكري، إلا أن لها آثارا واضحة في مجال الخصوصية؛ إذ إنها تسمح بتتبع الأجهزة الصغيرة التي يمتلكها الأفراد، وتحتوى على كمية هائلة من البيانات عنهم، ويجري على المستوى الأمني في الوقت الحالي الكثير من الأبحاث لتطويعها للاستخدام في العمليات ذات الطابع الدفاعي.
وما يؤكده الكاتبان من هذا العرض لتقنيات التمكين الشامل، أنه لم يتم اختراعها في البداية من أجل أن يتم استخدامها من قبل الإرهابيين أو الحكومات الأجنبية، كما يؤكدان أن هذه التقنيات التكنولوجية المتاحة في يد عديد من الأفراد ستؤدي إلى أن يصبح كل فرد عرضة للهجوم من الآخر، وهو ما يُعرف بتوزيع الضعف distribution of vulnerability.
من ناحية أخرى، مع امتلاك هذه الأسلحة التكنولوجية فإن كل فرد سيمتلك قدرات دفاعية، أو ما يُعرف بتوزيع الدفاع. فعلى سبيل المثال، يؤدي انتشار شبكات الكمبيوتر إلى زيادة عمليات القرصنة والهجمات السيبرانية، إلا أنه - في الوقت نفسه - أدى إلى ظهور ما يُعرف بصناعة الأمن السيبراني.

مستقبل قوة الدولة
يرى البعض أن هذه التحولات التكنولوجية ستؤثر في نهاية المطاف في قدرة الدولة على الحكم بفاعلية، ويبدو الأمر في هذه المرحلة غير واضح، فقدرة الدولة على أن تحافظ أو تزيد أو تقلل من قوتها النسبية تتحدد في ضوء إمكاناتها وإمكانات الأعداء المحتملين الذين تُواجههم، ومن الصعب وضع تصور محدد لمستوى التكنولوجيا، والقدرة على ممارسة التهديدات التي سوف يمتلكها الأعداء المستقبليون للدول.
ويؤكد الكاتبان أنه حتى إن ازدادت قوة الدولة بسبب زيادة توظيفها للتكنولوجيا، ففي المقابل ستزداد قدرات الفاعلين الآخرين على نحو سريع أيضًا، بما يجعل قوة الدولة مقارنةً بغيرها من الجهات الفاعلة تتجه إلى النقصان. ورغم ذلك لا يمكن الجزم بشكل قاطع بأن الدولة القومية في طريقها لتحل محلها أشكال أخرى من التنظيم، فقد سبق وتولدت هذه التكهنات مع ظهور العولمة في القرن الـ 20 حول عالم بلا حدود ونهاية الدولة القومية.
ثم جاء الاتحاد الأوروبي ليدعم من تصور "عبر القومية" الذي من شأنه أن يُقلل من أهمية الدولة، ورغم ذلك نجد الآن نحو 193 دولة في الأمم المتحدة، ما يدل على أنه في اللحظة الحالية والمستقبل القريب ستظل الدولة الحديثة تمثل واقعنا السياسي.

تقييد حرية الأفراد
كما يرى الكاتبان أن كثيرًا مما كنا نظن أننا نعرفه عن مفاهيم الخصوصية والحرية والأمن لم يعد صحيحًا، ففي التصور التقليدي يُعد الأمن الدولي هو شأن بين دولة وأخرى، والعلاقات بين الخصوصية والحرية والنظام الداخلي هي أمور بين الأفراد وحكوماتهم، أما الآن فإن التكنولوجيا قد فرضت تدخل دول أخرى في الخصوصية والأمن.
وتاريخيا، دائما ما كانت تُثار مشكلة التوازن بين الحرية والأمن في علاقة الدولة بمواطنيها، واستمرت هذه المشكلة أيضًا في العصر الحالي، فمع كل هذه التطورات التكنولوجية احتاجت الدولة إلى تكثيف عملية مراقبتها لحركة الأفراد surveillance.
يأتي هذا في ضوء ما وفرته تكنولوجيا التمكين الشامل من مجالات واسعة وجديدة للنشاط البشري، واحتمالية أن يقوم المواطنون بتحرك غير متوقع لم تأخذ الدولة احتياطاتها واستعداداتها لمواجهته، ومن ثم اتجهت هي الأخرى إلى توظيف وسائل تكنولوجية متعددة لتمكنها من معرفة تحركات الأفراد.
وفي النهاية، يشير الكتاب إلى أنه بافتراض أن كل دولة تواجه تهديدات ناتجة عن استخدام دول أجنبية أو جماعات أو أفراد تقنيات التمكين الشامل للهجوم من مسافات بعيدة، وفي ظل عدم وجود دولة لديها قدرة ذاتية على مواجهة التحديات التي تتعرض لها ومواطنوها - فإن هذا يدفع الدول إلى التنسيق والتعاون فيما بينها، ويتطلب ذلك إعادة التفاوض بشأن مفاهيم الاستقلال والسيادة في العصر الحديث، وقضايا الحريات المدنية والأمنية، والمسؤولية الحكومية.

الأكثر قراءة