المستبد «الديمقراطي» .. ثنائية واشنطن الحزبية لا يعنيها رأي الأغلبية

المستبد «الديمقراطي» .. ثنائية واشنطن الحزبية لا يعنيها رأي الأغلبية

منذ أشهر خلت، والأخبار حول سباق انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر عناوين الأخبار وكبريات الجرائد العالمية؛ بدءا بالانتخاب التمهيدية ثم انتخاب المندوبين... وما إلى ذلك، من المحطات التي ينبغي التوقف عندها قبل الدخول إلى البيت الأبيض. كل ذلك مضاف إليه المفاجآات الكبرى التي تنفجر تباعا، في رئاسيات هذا العام، وفي مقدمتها ظاهرة الميلياردير دونالد ترامب ما جعل الاهتمام بها يزداد.
بيد أن هذه العناية تنحصر في مجرد نقل القصاصات الإخبارية عن العرس الانتخابي لحظة بلحظة، دون أدنى نبش في التفاصيل التي تفضي إلى هكذا غرائب في انتخابات دولة يفتخر مواطنوها -وحق لهم ذلك- بنظامها الانتخابي الديمقراطي العريق.
بداية، وجب التأكيد من ناحية على أهم سمتين تميزان الديمقراطية الأمريكية، وهما: الفصل بين السلطات والنظام الفيدرالي. غير أنه وعلى الرغم من اشتراكها مع أمم أخرى في كلتيهما، فإن طرق عملها في ظل الدستور الأمريكي تبقى فريدة نوعيا، ولا يمكن للمرء أن يفهم النظام الأمريكي دون استجلاء تبعاتهما على كل من السياسة والحكم.
ومن ناحية أخرى، على أن مراسيم الانتخابات تحظى بهالة من التقديس منقطعة النظير، فالنظام الانتخابي الأمريكي مختلف عن بقية الأنظمة في العالم، وهكذا لا يمكن أن نتخيل إسقاط الحكومة الأمريكية نتيجة فشلها في التصدي لأزمة معينة، ولا يجوز لجمهور الناخبين التعبير عن آرائهم إلا عند انتهاء العمر القانوني للحكومة.
ومعرف أن مدة ولاية الرئيس أربع سنوات، قابلة للتجديد مرة واحد فقط. وعليه فإذا مات أثناء ولايته أو استقال - كما كان الحال مع الرئيس نيكسون - فنائب الرئيس هو من يتولى المنصب طوال المدة المتبقية، دون أي فرصة للحديث عن انتخابات مبكرة إلى حين وصول الموعد.
والموعد الدستوري لإجراء الانتخابات الرئاسية هو الثلاثاء الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة الزوجية، بغض النظر عما يجري في العالم من أحداث. ونذكر هنا أنه أعيد انتخاب الرئيس فرانكلين دي روزفلت سنة 1944 في أوج الحرب العالمية الثانية، وعندما مات في أبريل 1945 خلفه نائبه هاري إس ترومان الذي لم يكن معروفا إلا لدى القلة. وقاد البلد في الحرب وما بعدها إلى الموعد الدستوري للانتخابات في نوفمبر 1948.
تُرخي هذه الصرامة في المساطر والقواعد الانتخابية التي فرضتها ظروف تاريخية معينة كان إقرارها من قبل الآباء المؤسسين حينئذ قمة في الديمقراطية بالنظر لما هو سائد حينها، بظلالها وبشكل سلبي إلى حد كبير على انتخابات الرئاسة منذ بداية الألفية الثالثة.
فهذا مايسل إل ساندي Maisel L Sandy يتساءل في كتابه "الانتخابات والأحزاب السياسية الأمريكية" (2007)، وبنوع من الاستغراب "للنظام الانتخابي في الولايات المتحدة عدد من الجوانب الأخرى التي لا يُعيرها المواطنون الأمريكيون بالاً، لكن لها آثار مهمة بالنسبة لترجمة الإرادة الشعبية إلى سياسية حكومية، من بينها انتخاب الرئيس من خلال المجمع الانتخابي، واختيار النواب في دوائر أحادية العضوية تُحدد جغرافيا، وإعلان فوز الحاصلين على أكثرية الأصوات بالانتخابات دون اشتراط حصولهم على دعم الأغلبية. وربما يبدو تغيير أي من هذه الجوانب أمرا غير ديمقراطي لكثير من المواطنين، لكن الحقيقة أن كلا منها وسيلة لها من الآثار في الديمقراطية ما لا يأخذه بعين الاعتبار إلا قليلون".
يصعب التفصيل في كل ما ورد في هذا التعليق من شخص خبر دواليب النظام الديمقراطي في نسخته الأمريكية، لكن لا بد لنا من وقفة مع عطبَين لهما بالغ الأثر في جوهر الديمقراطية الأمريكية، لكن رمزيتهما التاريخية تجعل الحديث، يتوقف عند الإقرار بعدم تناسبهما مع الواقع الراهن دون أي مبادرة لتعديلهما.
يُعد المجمع الانتخابي أحد هذه الأعطاب، والذي اخترعه الآباء المؤسسون لحل مشكلة سياسية واجهتهم تتعلق بكيفية انتخاب الرئيس، أيكون ذلك من قبل الولايات؟ طبعا لا، لأن ذلك سيحرم الولايات ذات الحجم السكاني الكبير من ثقلها في المعادلة السياسية الأمريكية. أم يكون ذلك بالتصويت الشعبي؟ الجواب كذلك بالنفي، لأن إيلاء الأمر للجماهير يعيد إلى الواجهة مسألة الرقيق.
وهكذا جاءت فكرة المجمع الانتخابي كتسوية، حيث تقرر أن تختار كل ولاية عددا من المندوبين في المجمع الانتخابي، يماثل عدد نوابها وعدد شيوخها (دائما اثنان) مجتمعين. فكان الأمر بمثابة صيغة تسوية بين الولايات الكبيرة والصغيرة، ومخرجا لتلافي الجواب عن سؤال العبيد.
ومن أغرب ما يمكن أن يترتب عن الأمر من نتائج أن فارق الأصوات الذي يفوز به المتسابق في ولاية ما لا يُغير من جائزتها شيئا، بمعنى أنه يحصل على كل أصواتها في المجمع الانتخابي مهما كان الفارق الذي فاز به.
وعليه بات من الممكن ألا يفوز بالانتخابات المتسابق الرئاسي الذي يحصل على أكثر الأصوات الشعبية، وهو ما حصل واقعيا وحديثا مع آل جور سنة 2000 ضد خصمه الجمهوري جورج بوش الابن. وقديما وقع الأمر ذاته حين انتخاب ردفورد بي هايز سنة 1876، وكذا بنجامين هاريسون عام 1888 للرئاسة على الرغم من حصولهما على أصوات أقل من منافسيهما.
لذا فاستخدام قاعدة "الفائز يحصل على كل شيء" في احتساب أصوات المندوبين - دون مراعاة لنتائج أصوات الشعب - من أكثر القواعد إثارة للجدل في نظام المجمع الانتخابي الذي يعتمد في 48 ولاية. إذ لا أحد ممن يُؤمن بالديمقراطية في جبلَّتها الأولى؛ التي تقضي بأن من يحصل على أكثر الأصوات هو الذي ينبغي أن يفوز، يستطيع أن ينكر تبعات هذا النظام على الديمقراطية.
لا تختلف قاعدة نظام الحزبين كثيرا عن سابقتها، فاعتماد الثنائية الحزبية الديمقراطي والجمهوري جعلت الكثير من الأمريكيين يشككون في حقيقة التعددية المعلنة في النظام الانتخابي؛ خصوصا عندما تُوضع أمامهم اختيارات محدودة في المرشحين أو مهددة لفكرة الديمقراطية من أصلها (ترامب نموذجا). وبدأت الشكوك تحوم أيضا حول النظام الذي سمح لحزبين فقط بالهيمنة على الساحة السياسية لما يربو على 150 سنة.
في العلاقة بالحزب دائما، تثار أكثر من علامة استفهام حول نظام تمويل الحملات الانتخابية الذي يقيِّم المرشح بناء على قدرته في توفير المال اللازم للقيام بالحملة بالدرجة الأولى دون النظر في كفاءته وأدائه... كما ويجعل هذا الأمر الأحزاب الصغيرة ومرشحيها في وضع غير عادل وغير تنافسي، مقارنة بهذين الحزبين المتحكمين في دواليب الحياة السياسية هناك، إذ لا فرصة أمام مستقل لممارسة السياسة إلا من بوابتهما. وبلغ الأمر درجة التحكم في المناظرات التلفزيزنية التي تُجرى إبان الحملة الانتخابية، حيث وُكِلت إلى لجنة مشتركة بين الحزبين، ما جعلت أحد أنصار حزب الخضر يعلق قائلا: "أوكلنا للثعلب حراسة حظيرة الدجاج".
يبقى ما ذكر نماذج لمتوالية من الحلول التاريخية التي أضحت اليوم أعطابا يلزم إعادة النظر فيها، فما معنى الإبقاء مثلا على تأثير ولايتي أيوا ونيوهامشير في الترشيحات الرئاسية أو غير ذلك من القواعد التي صارت متجاوزة في العصر الراهن، فلا أحد بإمكانه اليوم أن يدافع عن نظام المجمع الانتخابي بوصفه الطريقة المثلى لاختيار الرئيس، وهنا نتذكر قولة رون بول: "الآباء المؤسسون منحونا الحرية.. لا الديمقراطية".

الأكثر قراءة