«جنوب كسول» و«شمال مستبد» .. وحدة أوروبا تشيخ مبكرا
من كان يتوقع قبل سنوات من الآن، وتحديدا عند الإعلان عن البدء في نظام العملة الموحدة اليورو يناير عام 2002، وما رافقه من احتفالات وأمان وأحلام عند شريحة كبيرة من سكان القارة العجوز؛ باتحاد قوي يمحو مصائب التاريخ ويتجاوز وهن الحاضر أملا في بناء مستقبل مشرق. قلت من كان يتوقع هذا المسار المتذبذب لاتحاد كان رهانه تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية، واستعادة زمام مبادرة قيادة العالم التي كانت تتداول عليها بعض من دوله منذ القرن الخامس عشر في عز أمجاد الإمبراطوريات طوال القرون الماضية "البرتغال، إسبانيا، إنجلترا، وفرنسا"؟
الجواب بالطبع سيكون قلة قليلة ممن يهتمون بالبحث في زحام التفاصيل، ولا تغرُهم ولا تغرِيهم المظاهر؛ فقرأوا السياقات التي أفرزت الوحدة الأوروبية الحالية على ضوء أحداث التاريخ، فأدركوا أن سياسة الحديد والنار التي قامت بها الدولة الوطنية في القارة الأوروبية، مترافقة والتاريخ الدموي للحروب والصراعات بين هذه الدول حتى الأمس القريب، مع غياب للحد الأدنى من الروابط والعناصر المشتركة بين القوميات الأوروبية، كل ذلك لا يمكن بالبث والمطلق أن يُفضي إلى نشأة قوة دولية أو اتحاد قادر على صياغة وصناعة هوية أوروبية موحدة تصير بديلا عن حس الانتماء الوطني لهذه الدولة أو تلك.
كان الحلم صناعة اتحاد قوي متماسك على شاكلة ولايات أمريكا، لكن هيهات كيف يكون ذلك؟ وما السبيل حتى لكي ينسى مواطن فرنسي الثورة الفرنسية، وتاريخ الجمهوريات الخمس، ونابيلون بونابارت والملكيات... وثورة الشباب؟ وكيف لألماني أو إسباني أن ينسى تاريخه أجداده أو آباؤه بكل ما يحفل به من مسرات ونكبات بين عشية وضحاها؟ ومن أين لأصحاب هذا الحلم بتلك العصي السحرية التي يقدرون بواسطتها على مسح الذاكرة الفردية أو محو الوعي الجمعي لهذا الشعب أو تلك القومية، بغية الانصهار في اتحاد كانت بوادر ولادته الأولى ذات منزع اقتصادي صرف؟
إن هذا الحلم شبه مستحيل بالنظر إلى افتقاده المشترك الهوياتي بين هذه الشعوب والقوميات والأعراق؛ فللأمريكيين مشترك مناسباتي – أصليا كان أو مصطنعا لا يهم - من أعياد وطنية واحتفالات سنوية "الاستقلال، الثورة الأمريكية، الأباء المؤسسون، وثيقة الحقوق..." يذكرهم بتلك الأواصر القائمة بين الولايات.
قد يقول قائل ما المانع من أن تسعى أوروبا إلى صناعة هذا المشترك ما دام الهدف نبيلا؛ وهو مثانة اتحادها وقوة وحدتها. فيكون الجواب أكيد أنهم فكروا في ذلك ولربما سعوا إليه، بيد أن المعضلة هي أن ما سيكون تاريخا مجيدا واحتفاليا لدى البعض "الفرنسيين أو الانجليز..." سيكون ذكرى سوداء ومأساوية لدى البعض الآخر "الألمان أو الإيطاليين..." جراء الحروب الداخلية التي عمَّت أوروبا ردحا من الزمن، وراح ضحيتها آلاف من الفريقين.
#2#
تذهب المتغيرات - في السنوات الآخيرة - على الساحة الأوروبية بدءا بأزمة 2008، وما رافقها من مشكلات اقتصادية جمة، عصفت باقتصاديات دول بأكملها "اليونان، إيطاليا"، وفرضت الانحناء على مؤشرات أداء اقتصاد دول أخرى لأشهر، وربما لسنوات قبل أن تتعافى "إسبانيا، البرتغال...". ثم مشكلة الهجرة غير الشرعية التي قضت مضجع دول جنوب أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط "اليونان، إيطاليا، فرنسا، وإسبانيا" إبان فترة الربيع العربي في دول شمال إفريقيا. مرورا بأزمة اللاجئين الليبيين ثم السوريين التي أربكت الحسابات الأوروبية نوعيا، وخلطت الأوراق وتضاربت الآراء داخل أروقة المؤسسات الأوروبية في بروكسيل؛ خصوصا أن بعض الدول "ألمانيا" تسعى إلى الاستثمار في هذه الثورة البشرية النشيطة بلفة الاقتصاد لمصلحتها. وصولا إلى أحداث العنف التي ضربت وبقوة العمق الأوروبي وجعلت الأمن القومي الأوروبي في خبر كان.
كل هذه الأحداث المتوالية تباعا تذهب إلى تأكيد ما ذهبنا إليه، بحيث توقف مشروع التكامل الأوروبي جغرافيا، وتعالت الأصوات التي تنادي بإعادة النظر فيما تم تحقيقه من وحدة بين الدول الأوروبية ومراجعة المواثيق والاتفاقيات بل وإيقاف العمل بالبعض منها حتى تعود وضعية الأوضاع إلى حالة الاستقرار.
فالهزات المتتالية تقود رويدا رويدا إلى شروخ داخل الاتحاد، ولا أدل على ذلك توالي مشاريع الاستفتاءات الوطنية هذه السنة في دول عدة "الدنمارك، هولندا..." بغية تحصيل استقلال وطني عن سياسات الاتحاد في مجالات بعينها وبخاصة الأمن والسياسة الداخلية. كما أن بريطانيا لا تتردد كل مرة من التعبير عن نيتها في مغادرة المنظومة الأوروبية -التي دخلتها جزئيا- حفاظا على مصالحها الخاصة، وهي مقبلة على استفتاء عام أواسط هذه السنة للحسم في مصير بقاء دولة التاج البريطاني عضوا في الاتحاد من عدمه.
أما داخل الدول فالأوضاع الاجتماعية تزداد تأزما، فوفقاً لآخر استطلاع لمؤسسة "بيو"، هبطت مستويات تقبل الاتحاد الأوروبي في كل معظم الدول الأعضاء تقريباً منذ عام 2007؛ فقد انخفضت بمقدار 20 نقطة في جمهورية إسبانيا، و19 نقطة في إيطاليا، و14 نقطة في بولندا.
ناهيك على أن أهداف واستراتيجية لشبونة الطموحة، التي وعدت في عام 2000 بجعل أوروبا الاقتصاد الأكثر قدرة على المنافسة على مستوى العالم بحلول عام 2010، لم يتحقق منها الشيء الكثير؛ وذلك بفعل اختطاف الأجندات السياسية الوطنية لبعض الدول لتلك الاستراتيجية.
بقي أن نشير إلى نقطة مهمة تتعلق بالأسباب وراء عودة هذا الموضوع بحدة في كواليس النقاشات، وبعض وسائل الإعلام داخل الاتحاد، يتعلق الأول بمشكلة السياسة الخارجية المشتركة، التي أنشأتها معاهدة ماستريخت، حيث يظهر بجلاء ذاك التناقض بين الموقف الموحد، وبين المواقف المستقلة التي تتخذها الدول كل على حدة "فرنسا، ألمانيا، بريطانيا مثلا".
والثاني بدعوة رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في التاسع من مارس 2015 إلى إنشاء جيش أوروبي موحد للدفاع عن قيم الاتحاد، وهو ما رفضته أغلب الدول، وفي مقدمتها بريطانيا التي ترى أن الدفاع مسؤولية وطنية ولا داعي لقيام جيش أوروبي.
وهكذا، فأحلام الوحدة والتضامن وكذا التكامل الأوروبي... وغيرها تبقى أفقا مفتوحا للاتحاد تأخذ منه كل دولة بحسب ما يتوافق مع أجندتها الخاصة، حتى صرنا نسمع تمايزات داخل ذات الوحدة من قبيل "جنوب كسول" و"شمال مستبد"...، وآراء تشكك في فعالية الوحدة كان آخرها لوزيرة الخارجية الإسبانية سابقا، وعضوة مجلس الدولة الإسباني حاليا "آنا بالاسيو" في مقال لها في صحيفة ببروجيكت سنديكيت تحت عنوان "في أوروبا.. لا نثق".