«قطة على سطح صفيح ساخن».. للسعادة وجه آخر
هناك مشاهد تلفحك بدهشة جمالها وقوّة الحضور فيها، بالأخص تلك التي تنتمي للأفلام الكلاسيكية، كالفيلم الدرامي "قطة على سطح من صفيح ساخن"، الذي أخرجه الأمريكي ريتشارد بروكس في عام 1958م، الذي تبلغ مدته ساعة و48 دقيقة، وهو مقتبس من مسرحية بالعنوان نفسه للكاتب المسرحي العريق تينيس وليامز الذي يمعن في الغور في النفس الإنسانية والكشف عن الرغبات والإدمان والجنون والقلق النفسي برقي بديع، كمسرحيته الأخرى التي فازت بجائزة البوليتزر "عربة اسمها الرغبة".
وعلى الرغم من كون الفيلم قد خضع للرقابة وإزالة مقاطع وإطالة أخرى، استنكر تينيس إزالتها لأنها تغوص في قلب المغزى من المسرحية، إلا أن الفيلم يعد متميزاً، بدءاً بالمقدّمة الجاذبة التي تظهر الشخصية المحورية اللاعب الرياضي بريك، الدائم الامتعاض واستنكار لمحيطه، وهو يحاول القفز على الحواجز في الاستاد الرياضي في منتصف الليل، مقاوماً ثمالته، ليتسبب في كسر رجله، في تجسيد للشعور بالأسى الممتزج بالنوستالجيا لمجد قديم اندحر. ما عزّز من جمالية الفيلم الطاقم المتميز من الممثلين، فدور بريك قام به اللامع بول نيومان، فيما قامت بدور زوجته ماجي الممثلة إليزابيث تايلور، التي تخلّدت صورتها بثوبها الأبيض الأنيق على طراز أشبه بالإغريقي، ليمثلا دور زوجين تعيسين يعيشان حالة من الاختناق من فرط الترابط الأسري وسط أسرة جنوبية تظهر السعادة وتبطّن أسراراً عديدة وكآبة أعمق. بالأخص في محاولتها إخفاء خبر مرض الأب الذي يطلق عليه اسم "الأب الكبير"، وتميز بأدائها الممثل برل آيفز، وهو يكتشف بذهول اقترابه من النهاية.
من الصعب نسيان مشهد ماجي وهي تحاول استجداء بريك ولفت انتباهه، في الوقت الذي لا يلقي عليها بالاً باستثناء نظرة واحدة تبطن غلاً ومقتاً لها، وكأن تلك بداية النهاية. مثّلت إليزابيث تايلور في هذا المشهد قمة الإحساس بالضعف ومحاولة استجداء العاطفة على الرغم من قسوة صدّه لها، في الوقت الذي ظهرت فيه مفعمة بالأنوثة، في حقبة كان ينظر فيها للمرأة كرمز للجاذبية أكثر من أي دور آخر. وقد أتقنت هي القيام بذلك. ولن يتم تقديرها كممثلة إلا فيما بعد. في غمرة توتر العلاقة بين الزوجين يظهر ويغوص في أكثر من مرة ذكر سكيبر الصديق الغابر الذي تسبب مجيء ماجي بكارثة تشكل أزمة وجودية تعقد حياة بريك، بمشاهد أقرب بضياع رجولته أو ضياع هويتها في محاولتها إغوائه دون جدوى. وذلك ما لا يتطرق إليه الفيلم علناً إذ تم اختزاله، وإن كان مذكوراً في المسرحية الأصلية. إلا أن تلك التفاصيل تسببت في حالة انهيار بيرك وامتعاضه المستمر من واقعه المعاش، ومحاولة نسيان الحاضر والماضي بشتى الطرق.
#2#
يظهر فيلم "قطة على سطح من صفيح ساخن" زيف السعادة الظاهرة لدى البعض، التي ما هي إلا شقاء داخلي وعلاقات رخوة بين أفراد أسرة تقترب إلى حد الانهيار، بالأخص عند حدث مفصلي وهو محاولة إخفاء خبر مرض الأب ومن ثم الإعلان عنه. ليتزامن الانهيار النفسي وتدهور العلاقات بحالة إنكار مستفحلة حتى النهاية. إلا أن الأحداث ترغمك على التعاطف مع شخصية الأب لدى اكتشافه مرضه، ومراقبة تغير حاله من سعادة يخالطها قبس من عجرفة إلى يأس وانهيار، يقابلها تفضيل دائم للابن المدلل المصاب بمرض عصابي وهو ما يوجد النزاعات، ليجسد ذلك مهزلة القيم الإنسانية التي تقف خلف الرغبات والكذب والجشع والخداع. فيما لا تصل الشخوص إلى الملاذ أو حالة الراحة النفسية إلا لدى الاقتراب للنهاية، حين تبرز الدوافع النفسية.
يظهر العنوان مغزى تحول شخصية ماجي إلى قطة، وهي أقرب بمواصفاتها إليها كونها تتسم بحدة الذكاء المقرون بالبرود وعدم الاكتراث. تتساءل ماجي: "ما هو النصر لقطة على سطح من صفيح ساخن؟" هي التي تحورت بسبب الوحدة والضغط النفسي والكبت والتستر تدريجياً إلى شخص يحمل الصرامة والقسوة، بسبب ظروفها القاسية.
يتألق دور شخصية ماجي منذ البداية، وإن لم تتحدث كثيراً إذا ما قورنت بأدوار شخصيتي سكيبر والأب الكبير. إذ تم التركيز على حالة شوقها ورغبتها في لفت انتباه بيرك، وعدم استسلامها للوضع المزري لعلاقتهما. في ظل اللوم الدائم لأسرته لها لانتقاصها من سعادة بيرك إنجابها كواجب أوحد لها، في الوقت الذي يناقض حالهما وضع الأخ وزوجته بإنجابهما المستمر. فيلم قطة على سطح من صفيح ساخن من الأفلام التي تحمل حوارات مؤثرة ومشاهد تعلق بالذاكرة فيصعب نسيانها.