الاقتصاد الناشئ .. نجوم الهند تسطع في السماوات العالمية
بخلاف وجود ثماني شركات هندية في قائمة "فاينانشيال تايمز" لأكبر 500 شركة, فإن الملاحظ أن المديرين التنفيذيين الهنود بدأوا يتغلغلون في داخل السلم الوظيفي للشركات الغربية المدرجة في القائمة الحالية. ولكن من أين تبدأ قصة النجاح هذه؟
اكتملت دائرة الهرولة العالمية في مسيرة عمل برانش أنثابور، فقبل أكثر من عقد مضى، غادر هذا الرجل موطنه، الهند، من أجل وظيفة في شمال كاليفورنيا مع شركة فيريفون للبرمجيات. وانتقل في العام الماضي إلى منزله "الفخم نسبياً" الذي يحتوي على خمس غرف نوم في وادي السيليكون، ليعود إلى الهند كمسؤول تشغيل رئيسي لمركز شركة ياهو للبحث والتطوير في بنجالور. ويعتبر هذا المركز بأرضيته ذات المهاجع المليئة بالبالونات، وأكياس الفاصوليا، وقطع الزينة المقلدة باللون الأرجواني، أكبر مركز للبحث والتطوير لهذه الشركة خارج كاليفورنيا، حيث يضم ألف موظف.
وتكيف مديرون هنود كثيرون مع النشاط العملي الغربي، كما أن كثيرين منهم ارتقوا بدرجة أعلى من أنثابور، حيث نجد أن شركة ميتال ستيل الخاصة بلاكشمي ميتال أصبحت أكبر شركة للصلب في العالم بعد استحواذها على شركة أرسيلور العام الماضي في صفقة بلغت قيمتها 27 مليار دولار. كما أن أرون سارين، الرئيس التنفيذي لشركة فودافون، يترأس أكبر شركة هواتف جوّالة في العالم، إذ قدم عرضاً في أوائل هذا العام بقيمة 11 مليار دولار، لشراء شركة هتش التي هي رابع أكبر شركة في الهند للاتصالات اللا سلكية. وأصبحت إندرا نويي رئيسة تنفيذية لشركة ببسيكو العام الماضي، لتصبح واحدة من 12 امرأة تقود شركة مدرجة على قائمة Fortune للشركات الـ 500 الكبرى في العالم.
وكشف تقرير صدر في كانون الثاني (يناير) عن جامعتي ديوك، وكاليفورنيا، عن أن 26 في المائة من شركات التقنية التي أسسها مهاجرون في الولايات المتحدة خلال العقد الماضي، كان لها مؤسس هندي. وأسس الهنود 15.5 في المائة من جميع الشركات الجديدة التي تم تأسيسها في وادي السيليكون بين عام 1995 وعام 2005.
ويقول فيـفك وادهوا، مؤلف التقرير، والرئيس التنفيذي المقيم لجامعة ديوك في شمال كاليفورنيا، إن لدى المهاجرين الهنود في الولايات المتحدة تدريباً متقدماً للغاية في العلوم والرياضيات، كما أنهم يتحدثون الإنجليزية بطلاقة.
وعينت الشركات الدولية مديريها في فروعها الهندية لإدارة نشاطاتها العملية عالمياً. وشغلت شركة يونيلـفر الإنجليزية ـ الهولندية التي تعتبر عملاقاً في عالم المنتجات الاستهلاكية، بعض أهم المناصب فيها بهنود نشأوا في وحدتها الهندية، Hindustan Lever .
فما العوامل التي تقف وراء نجاح المديرين الهنود، وهل يمكن تقليدها بشكل أوسع؟ أصبحت هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً في الوقت الذي توسع فيه الشركات الهندية طموحاتها العالمية، بينما تتوسع الشركات الأجنبية في الهند. وتتولى المجموعات الهندية إنشاء عمليات دولية في بلدان بعيدة بعد تشيلي، هنغاريا، والصين. وليست شركة ميتال الشركة الهندية الكبرى الوحيدة التي تشتري شركات أجنبية، حيث اشترت شركة تاتا للصلب هذا العام منافستها شركة كورس الإنجليزية ـ الهولندية بمبلغ 11 مليار دولار، كما اشترت شركة هندالكو الهندية شركة ثوفيليز الكندية لصناعة الألمنيوم بمبلغ ستة مليارات دولار. وقامت الشركات الهندية خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2007 بالاستيلاء الشرائي على 72 شركة أجنبية بمبلغ يصل مجموعه إلى 24. 4 مليار دولار حسب مصادر الشركة الاستشارية، ثورنتون. واشترت شركات أجنبية خلال تلك الفترة 38 شركة هندية بقيمة 17 مليار دولار.
وأدى كل هذا النشاط إلى تزاحم الشركات على توظيف المسؤولين التنفيذيين الهنود الذين يستطيعون إدارة الشركات على مستوى دولي. وقال أرون ماهاباترا، الشريك التنفيذي في شركة هايدرك وسترجلز الهندية، إن "المديرين الدوليين هم الحاجة القائمة في هذه الأيام. وهنالك ندرة خاصة في المديرين في قطاعات معينة مثل العقارات، والبيع بالتجزئة، والبنية التحتية".
وقليلاً ما تستطيع حتى الشركات الكبرى تلبية الطلب. وتشهد الشركات الكبرى في الهند، سواء كانت متعددة الجنسيات، أم محلية، منافسة شرسة للحصول على العمال المهرة، إذ تمثل هذه المشكلة واحدة من أكبر العوائق التي تقف في طريق النمو.
وفي إطار جهودها الرامية إلى تطوير مهارات المديرين، فإن الشركات الهندية تنفق بصورة سخية على التدريب، وعلى مراكز التطوير الإداري، والتعليم التنفيذي، وبرامج التدريب على الإنترنت. ولكن معظم تلك الجهود التدريبية ينصب على المهارات الأساسية، أكثر مما يتوجه صوب تطوير مستوى الإدارة.
ويقول بايبك بانرجي المدير المشارك لبرنامج ديوك في معهد IIMA، إن الهنود ليسوا بالضرورة جيدين في العمل ضمن الفرق، وذلك كما ظهر في الأداء المخيب للآمال لفريق الكريكت الهندي هذا العام.
ويتم تحميص مباني مركز IIMA المبنية من الطوب في الشمس الحارقة المرافقة للأمطار الموسمية. ويتولى كبار المديرين من إحدى كبريات الشركات الهندية المملوكة من جانب الدولة، من مواقعهم في القاعات المكيفة لهذا المركز، تحليل استراتيجية العمل لإحدى الشركات الزميلة (طلب من الفاينانشيال تايمز عدم ذكر اسم تلك الشركة). ويأخذ طلاب الشركة هذا البرنامج الدراسي بجدية كبرى، حيث إن رئيس الشركة سيزور مقر التدريب في اليوم التالي.
وحافظت عملية السماح بدخول مثل هذه المعاهد على نظافتها في بلد يكثر فيه الفساد، حيث كان هذا المعهد "منارة للجدارة وسط محيط من القدرات المتوسطة" كما قال تارون خانا الأستاذ في كلية النشاطات العملية في جامعة هارفارد، وكان تم إنشاء هذا المعهد عام 1961 على غرار كلية النشاطات العملية في جامعة هارفارد.
ومن الصعب للغاية الحصول على مقعد دراسي في هذا المعهد، حيث يتم اختيار 250 طالباً فقط سنوياً، من أصل 170 ألف طالب يتقدمون بطلبات الالتحاق، إذ يستغرق الحصول على شهادة الماجستير عامين. ويقول باكول دهولاكيا مدير المعهد "لا يمكنك النجاح إلا إذا كنت مجداً في عملك للغاية".
إن المنافسة على دخول مثل هذه المعاهد تساعد في تفسير نجاح المديرين الهنود الذين يستطيعون ذلك الدخول، كما يقول ديباك جوبتا المدير التنفيذي لشركة الأبحاث التنفيذية، كورن/ فيري في نيودلهي. ويضيف "إنها عملية منافسة على طول الطريق للوصول إلى وظيفتك الأولى". وتكون نتيجة هذه العملية أن الهنود من ذوي المهارات الرفيعة "ينجحون تماماً حين يدخلون إلى سوق مفتوحة وعادلة مثل السوق الأمريكية".
وليست المنافسة الشرسة على أماكن الدراسة الأكاديمية هي وحدها التي تعمل على إعداد المديرين الهنود للنجاح في الخارج، بل إنها المنافسة على كل شيء.
ومن المحتمل أن تعوق البيروقراطية، الفساد، والبنية التحتية المتردية، طريق نجاح أولئك المديرين في الهند. إلا أن وادهاوا يقول "إذا نظرت إلى المديرين الذين كانوا قادرين على النجاح، رغم كل العوائق التي تقف في طريقهم في الهند، وجعلتهم يعملون في أرض خصبة، فمن المؤكد أنهم سوف يحققون نجاحاً كبيراً".
وكثيراً ما سافر الهنود منذ فترات طويلة إلى الخارج من أجل التعليم والعمل، حيث هنالك 20 مليون هندي على الأقل، يعملون في جميع أرجاء العالم. ويتحول المهاجرون الهنود كثيرو التنقل إلى ثروات هائلة من الخبرات الخارجية التي يمكن الاستفادة منها في مواقع العمل. وبسبب سهولة تأشيرات الدخول للنخب المتعلمة، فإن كثيرين منهم يعودون إلى الهند بصورة منتظمة لزيارة عائلاتهم، ويبقون على علاقات قوية مع بلدهم. وتمنح هذه الميزة الهنود المهاجرين من أمثال أنثابور فرصة العودة إلى البلاد التي يشهد اقتصادها نمواً يتطلب الكثير من الوظائف.
غير أن شركة بيرلا التي تشتمل نشاطاتها العملية على الصناعات المعدنية، النسيج، التأمين، والكيماويات، تقوم بأمور أخرى كذلك، حيث تتولى إقامة مسابقات على صعيد النشاط العملي تلتقي فيها فرق من الموظفين من جهات مختلفة من العالم لتتنافس في اتخاذ القرارات العملية الصحيحة للشركات المتعثرة. وشارك في العام الماضي أكثر من 700 شخص في هذه المسابقات العملية التي يطلق عليها اسم "دانا نيتي"، أو فنون الحرب. ويقول الدكتور سانتربت ميزرا مدير الموارد البشرية في الشركة "إن الاستجابة كانت عالية للغاية".
ويتساءل ميزرا عما إذا كان من شأن ذلك إحداث فرق في أداء النشاطات العملية، ويقول "هل يمكن حساب ذلك بالروبيات؟ إن ذلك غير ممكن في الأجل القصير، ولكن حين يفهم الناس شيئاً ما، فإنهم يستطيعون التنسيق والتعاطف".