صورة المملكة إعلاميا ومصداقيتها سياسيا .. لا تباع ولا تشترى
"هي أشياء لا تشترى" هذا ما يمكن قوله عن الصورة الحقيقية لأي بلد في أعين الآخرين. وهو ما لفت إليه عادل الطريفي وزير الإعلام والثقافة السعودي في معرض نفيه سؤال صحافي يفترض إمكانية دخول السعودية في مزايدات إعلامية "لشراء أسهم في مؤسسات إعلامية أجنبية، بهدف توظيفها لإيصال صوت المملكة للعالم الخارجي والتعريف بسياستها المعتدلة".
لوبيات الشاي
المؤيدون لمثل هذا الأسلوب من الإعلاميين والسياسيين يستشهدون بنجاح مزعوم لإيران من خلال لوبي إيراني يعمل من داخل الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية. من أجل تحسين صورتها الإرهابية. أمام الرأي العام الغربي. وهو ما أدى بدوره إلى نتائج إيجابية تقطف طهران اليوم ثمارها سياسيا. وفقا للمؤيدين.
ولكن هل هذا ما حدث ويحدث فعلا. هل لوبيات الضغط والإعلام- مع كامل الاعتراف بأهميته ودوره الحيوي- هما التي تمهد لمثل هذه التغيرات الجذرية في العلاقات الدولية. وفي سياساتها المعقدة. هذا ما يروج له المؤمنون بالآلية الديمقراطية التي لا تخل من دور واضح للناخب (الرأي العام) –برأيهم- ما يعني تأثيرا مباشرا أو غير مباشر. في آلية العمل السياسي الغربي وقراراته.
#2#
ولكن اللافت في المقابل، معارضة المعنيين من داخل هذه الديمقراطيات من الغربيين أنفسهم لمثل هذه الأطروحات، وهذا التسلسل في صنع القرار الغربي. مؤكدين أن دور الإعلام و"لوبيات الشاي" لا يتجاوز جمع الأصوات والمال بغض النظر عن نزاهة الطريقة وشفافية أغراضها وأهدافها. أما القرارات السياسية فمساراتها أعقد وأطول؛ إذ ترتهن للمصالح الاقتصادية ولا شيء غيرها. فقرار رفع العقوبات والانفتاح على إيران مثلا. ليس وليد الدعاية الإيرانية داخل أروقة البيت الأمريكي أو الغربي. ولكنه طمعا في أسواق بكر جديدة تمثل خلاصا لكثير من الشركات الأمريكية والأوروبية. من أجل تجاوز ضائقتها المالية.
السوق الإيرانية موجودة منذ القدم، ومع ذلك لم يلفت نظرا ولم يثر طمع أحد، رغم إعلام إيران ولوبياتها المفترضة. إلى أن تغيرت موازين الاقتصاد والحاجة على الأرض. لتندفع السياسة الغربية الحديثة، بعقلية الاستعمار والفتوحات الأوروبية القروأسطية ذاتها. التي غزت العالم وعبرت محيطاته، قبل مئات السنين، بحثا عن أسواق لمنتجاتها. حتى قبل أن يكون هناك إعلام أو ديمقراطيات. فقط "مصالح" و"نزاعات" يصل الأمر من أجلها لأن تصادق العدو وتعادي الصديق.
أما الواثق من "سياساته المعتدلة" فلا يعنيه شراء المؤسسات الإعلامية الأجنبية أو المساهمة فيها، بحثا عن تقديم أو "تلميع". لأن سياساته العادلة والصادقة هي التي ستقدمه للآخرين ولو بعد حين. وتحديدا بعد انقضاء دورة المصالح السياسية والاقتصادية. التي يجند لأجلها الأقلام وبعض الإعلام. وليس العكس كما يظن المؤملون في حيادية الإعلام الغربي ومزاعم تأثيره.
إعلام متقلب
ولعل قضية اللاجئين السوريين وتحولاتها في الإعلام الغربي في غضون أقل من ثلاثة أشهر تعطي مثالا جيدا. لقراءة سرعة تقلب هذا الإعلام وفقا لمصالحه، لا مصالح الداعمين أو المعدمين والمنكوبين. فبعد أن تفاعل الإعلام الغربي مطولا بحجة حقوق الإنسان مع صورة الطفل الغريق إيلان. نجده اليوم يحذر من تدفق اللاجئين ومدى تأثير ذلك على ديموغرافية البلاد وثقافته. للدرجة التي لم تتوان فيها إحدى المجلات الغربية الشهيرة وضع صورة رمزية على غلافها لامرأة تحيط جسدها بعلم الاتحاد الأوروبي. بينما أيادي رجال سمراء وملونة تهاجمها.
صورة رمزية تحاول إيهام الرأي العام الغربي بخطورة المهاجرين العرب على الكيان الأوروبي. بعد أشهر فقط من استيعاب أعداد كبيرة منهم. في سوق العمل الأوروبي العجوز. لسد ما ينقصه من عمالة بأجور زهيدة ورخيصة.
ومن هنا فالرهان على إعلام من هذا النوع المتقلب والمتباين تبعا لمصالحه. والمبالغة في التماهي معه ومع انتقاداته سلبا وإيجابا. ضرب من التهور المادي والثقافي. وهو ما يعيدنا لإجابة الوزير، في المؤتمر ذاته، فيما يتعلق بالرهان على إعلام الوطن ومواطنيه إعدادا وتأهيلا. ثم ترجمة هذا الإعلام وتقديمه كما هو بلغات مختلفة. لتقديم الصورة الحقيقية المعتدلة والمتسامحة للمملكة بشكل مباشر، بعيدا عن طمع المنتفعين واشتراطات الوسطاء.
خطوات بدأت عمليا من خلال تدشين الشكل الإلكتروني السلس والمتطور لموقع وكالة الأنباء السعودية. "واس". مع تقديمه بترجمات متعددة مؤهلة للزيادة مستقبلا. إضافة لمنصات رقمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تقدم المحتوى بأكثر من لغة وطريقة. ما يتناسب والطبيعة المتسارعة والمتجددة لوسائل الإعلام وأدواته.
ومن اللافت هنا الإشارة إلى التكامل البارز أخيرا بين المؤسسات الحكومية على غرار الخارجية والإعلام. من حيث إبراز الرسائل والتصريحات الوطنية. بلغات مختلفة. وفي مواقف متعددة عبر القنوات السعودية الرسمية ومنصاتها المتعددة، لتلتقطها وكالات الأنباء العالمية كمنتج إعلامي متكامل، ما يجعلها عصية على التأويل والتلاعب.
الاعتناء بالمحتوى الإعلامي الوطني وتأهيل القائمين عليه مهنيا. هو الطريقة المثلى لتقديم الذات محليا وعالميا. فتقديم المعلومة الموثوقة والمحتوى المنافس مهنيا وعالميا لم يعد حكرا على وكالات وصحف أو مؤسسات ودول بعينها في ظل الطفرة التكنولوجية. ولكن تبقى "المصداقية" التي هي من صلب السياسات السعودية وعمادها، رهان الإعلام السعودي وورقته الرابحة والمؤثرة، على المدى القريب والبعيد. وهي بكل تأكيد ما لا يمكن أن يُباع أو يُشترى.