أحساب وأنساب تحت سحائب الغبار والخوف
"عاشوا على هامش الحياة بلا عنوان، بلا هوية، في انتظار الخلاص". تجسد رواية "نبوءة السقا" طبقة المسحوقين المنعدمين من "الأحفاد". الرواية صدرت عن دار التنوير لعام 2015، للروائي السوداني حامد الناظر، التي يصل عدد صفحاتها إلى 258 صفحة من القطع المتوسط. وقد ترشحت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية. تبحر الرواية في المجتمع الإريتري عن طريق قرية وهمية تدعى عجايب، التي كأنها نبعت من الأرض فجأة أو وقعت من السماء بناسها وبيوتها.
تلك القرية التقليدية التي "لا تغادرهم أبدا، مثل علة لا شفاء منها." والتي تصر على الحفاظ على موروثاتها بتقليديتها. "لألف عام أو أكثر ظل إيقاع الحياة هنا ثابتا، فإيقاع الحياة جزء من معالمها التي لا تتبدل إلا بهزات عظيمة. "تقف الرواية من جهة أخرى إلى أحداث تسببت بتغيير ذلك النمط، وأدت إلى خروجها عن المألوف. "كأن عجايب التي أعرف أفرغت من أهلها واستبدلت بآخرين ليست بينهم تلك الحميمية التي كنت تحسها في سلامهم وحديثهم". الرواية تغوص في توصيفات بديعة، بلغة جمالية رائقة تلفت الانتباه لجمل عديدة تحمل بعدا ثقافيا ساطيا على الأحداث. "وحده الحب قادر على هزيمة الظلم والفوارق والغبن".
###سطوة المكان
يتجلى المكان في "نبوءة السقا" ليصبح بطل الرواية، وإن كانت قرية عجايب وهمية من خيال الروائي، إلا أن الرواية تنبثق أحداثها من أرض تجاور وطن الروائي حامد، في حقبة الستينات في إريتريا حيث اشتعل الصراع الطبقي، وتتطرق سريعا لبعض ملامح إريتريا كالاحتلال الإثيوبي والاستعمار الإيطالي، وتصميمهم لمدينة أسمرا المستنسخة من روما. سطوة المكان تمتد لتصل إلى الحالة المزاجية له. "الأماكن مثلنا تماما، تفرح، وتحزن، وتكتئب، ثمة أشياء لا تعوض إذا فارقت الأمكنة، تنزع عنها سمتها وتتركها عارية".
###صراع طبقي
يتفاقم الصراع الطبقي من خلال تعالي طبقة الأوتاد وانحدار طبقة الأحفاد ممن يستسلمون للقدرية وما يفرضه الآخرون. فالأحفاد من طبقة المسحوقين، الذي لا يحق لهم حتى وقت قريب امتلاك الأرض وكانوا يعملون بالسخرة. "وتلك مؤامرة التاريخ والأنساب".
الأمر الذي يؤدي إلى استسلام الطبقة الدنيا للمحيط والأحكام المطبقة ضدهم. "الظلم والعدل يا سادة وجهان أصيلان لهذه الحياة، جانبان تمشي بهما، وهما يتجاذبان ما بقيت الحياة موجودة". فيما ترى الطبقة الأعظم شأنا بأن ما الأمر إلا بين فئتين غير متكافئتين من البشر. "مشكلة إخواننا الأوتاد أنهم لا يرون في الدنيا اختلافات وألوانا خلقها الله لفهم عظمة خلقه، يرون الدنيا أبيض وأسود ولا شيء بينهما، تتبدل الدنيا ولا يقرون تبدلها".
ويمتد ذلك إلى نعرة عنصرية متطرفة. "ذلك كله حقيقة صغيرة مغلفة بأوهام عظيمة، ولو أن الأوتاد اقتربوا من الصورة أكثر لأدركوا أن دم الإنسان في كل أحواله ماء أحمر، له رائحة خميرة محايدة، لا رخص فيه ولا غلاء". ويشكل أي شخص لا ينتمي للجماعة خطرا، كتوجس طبقة الأوتاد من تطور طبقة الأحفاد ليصلوا إلى حريتهم. "مجد الأوتاد الذي سمع به القاصي والداني لن يلبث أن يتحول إلى عار، إلى ضعف سيصعد عليه الأحفاد إلى حريتهم".
###بروز الأدوار
شخوص الرواية من جهة أخرى عديدون يحملون عبء البطولة في هذه الرواية. تظهر بشكل قوي بطولة "فاطمة بنت همد، أجمل بنت في عجايب، وكل القرى التي حولها على ضفتي النهر. "هي التي تعد الأسطورة والمعجزة في "نبوءة السقا" والملاذ الذي يتهافت عليه كل رجال القرية في سبيل حل كل المشاكل وإزالة الطبقية. لم يكن في حياتها أو نسبها شيء لافت، فهي تنتمي لنسب الأحفاد الوضيع مما حال دون وضعها في الواجهة. لم يكن لها سوى جمالها، وجمالها وحده. "لعله جمال فاطمة الذي يربك نظام الأشياء". وعلى الرغم من النزاع عليها فقد تجاوزت العمر المتعارف عليه للارتباط. " عمرها الآن عشرون خريفا بالتمام والكمال. فربيع الفتاة يمتد من عمر الخامسة عشر حتى التاسعة عشر في بلد كهذه". إلا أن ذلك لا يمنع من تفخيم دورها وجعلها ملاذ للجماعة ككل وحل لمشكلة الطبقية بالانصهار. بالأخص كون الاقتران من أحد أعيان البلد يعد الخلاص الوحيد الذي سيمنحها مكانة عظيمة تخرجها من تردي حال الأحفاد. " لمائة عام أخرى، ربما يبقى زواج فاطمة علامة القرن الفارقة دون منازع في هذه الصحراء، علامة خلخلت نسق الحياة في هذه البادية التي لم تعرف هزات عظيمة".
فيما تظهر أهمية شخوص آخرين، كمحمود، الحبيب الحاضر الغائب منذ بداية الرواية. وكأن الأحداث كلها مرتبطة بعودته أو سماع نبأ يؤكد موته. الأحداث تبدي نوعا من الرتابة حتى يبدأ الكشف عن واقعه إذ تبدأ الأحداث بالتعاقب بتسارع. محمود يشكل تمردا على الواقع بسبب أحداث محورية تسببت بظهور غضب ورغبة في الانتقام: "لو كان الأمر بيدي أن أختار، لاخترت لنفسي أن أولد كالمسيح دون أب، ومن دون ماض ينغص علي أحلام مستقبلي. ليس رغبة في غسل دمي من دماء أسلافي، بل رغبة في حياة سهلة، مفعمة بالأحلام".
#2#
فيما تجسد شخصية السقا السلطة العليا، الذي يختار تطويع ما يحيطه من ظروف لتلبية رغباته، تحت عباءة احتياجات الجماعة. ويظهر في ذات الحلة الناظر الذي يذكر وكأنه لا يكترث اقتراحا لحل مشكلة الطبقية: "حتى لو اضطررت إلى أن أتزوج فاطمة بنفسي!" هو الذي من اليوم الأول، يعرف أن الرمال تتحرك تحته.
###تطور الشخوص
"نبوءة السقا" تظهر مهارة في معالجة الشخصيات، وإن كان من الممكن تطويرها أكثر، كالتطرق إلى دواخل فاطمة وقلقها وضيقها تدريجيا من خلال السرد وليس في النهاية أو وقت تجلي حالها مع محمود. فيما برع الراوي في توصيف شخصية محمود المتحورة. "الصوت لا يشبه صوته، كان حادا ووحشيا إلى درجة مرعبة. كما لو أنها تستمع إلى شبح في الظلام". وتردي حاله وتقريعه لمجيئه في اللحظة غير المناسبة.
###انقياد المرأة
يتقاطع ضعف المرأة وانقيادها لقرارات الرجل، أو التضحية بها لمصلحة الجماعة، بقدسية الانتساب لجماعة معينة، ومدى تأثير ذلك في حياتهم. إلى الحد الذي يظهر فيه البعض كإخوة فاطمة بملامح وحركات متطابقة إلا ما ندر. حتى إذا تغير نظام حركتهم المضبوط أصبح ذلك خروجا عن المألوف. فيما تقبع المرأة مضطهدة في قاع ذلك الانتماء، لا يعد خيارها مهما. "يرتكب الرجال حماقاتهم من دون أن يأبهوا لشيء ثم يكون على النساء أن يصلحن ما أفسدوا، أي عدل هذا؟" الأمر الذي يجعل هناك تصورا وهميا لما يمكن أن تصدره فاطمة من قرارات إن كانت في مكان الناظر ما يصب في مصلحة المرأة بأسلوب يرثي لحال المرأة في حقبة الستينات في المجتمع الإريتري. "لن أوافق على أي قرار يخص النساء قبل أخذ موافقتهن".
###الثابت والمتغير
يقف السرد في الرواية عند نافذة الثابت والمتغير في المحيط، ما بين المجتمع ككل والشخوص المنفردون. ففي الحين الذي توقع فيه أغلبية أهل "عجايب" استمرارها على حال واحد تقليدي. "كل شيء كما تركته ليلة أمس. أظن أنك من تغير، أو من يود التغيير، لا الحياة يا فوزية، فر تحملي الأشياء ما لا تحتمل". حتى ملامح البشر تظهر وكأنها جمدت الزمن أو أعادت السباق معه. "تبدين أجمل مما توقعت، هل كانت السنوات تمشي إلى الوراء؟" فيما يظهر التغيير الوحيد كونه متعلقا بدواخل الأشخاص. "الموت لا يغير الناس، لكن الأحياء يتغيرون".
أما تغيير المحيط فمن الممكن أن يحدث على أيدي أشخاص معدودين يحملون قدرة خارقة كفاطمة أو محمود. "من سيربك هذا السرادق ويقتلع أعمدته إن لم يكن هو؟" إلا أنه نهاية الأمر يظهر شيء من التغيير بعد ظهور حالة تمرد على المحيط، رغم تلك الظروف المستعصية، واليأس الذي أوقظ الآخرين لحالهم المتردية. "فبعد ما يزيد على ألف سنة من الخضوع التام، قررت بعض العائلات المسترقة الخروج من تحت عباءة سادتها".
حالة التمرد تلك التي ظهرت علاماتها منذ بداية الرواية تتناثر في المحيط. "ذاب في أرجاء الساحة كل ما حسب الناس أنه موجود، كل ما ظلوا يقتتلون من أجله قرونا طوالا. ذابت الأنساب والأحساب والأسماء والملامح ولم يعد هناك من يذكرها تحت سحائب الغبار والخوف".
الأمر الذي يؤدي إلى التساؤل عن قدرة قرية كعجايب أن تصل إلى تلك التحولات الكبرى. إذ "قد لا تفهم القرى التحولات الكبرى في هذه الحياة، لم حدثت وتحدث؟" في نهاية المطاف، تعد رواية نبوءة السقا حلما بسيطا بإزالة العصبية القبلية والتفرقة بين الناس بسبب حدث متعلق بشخص أو اثنين ما تسبب في إقامة حالة تمرد على الوضع المعاش. ما يتسبب برغبة في إذابة "الأنساب والأحساب والأسماء والملامح ولم يعد هناك من يذكرها تحت سحائب الغبار والخوف".