أسطورة «داعش» السياسية .. آن لها أن تسقط عسكريا

أسطورة «داعش» السياسية .. آن لها أن تسقط عسكريا

"مغامرة غير محسوبة" وغيرها من التعبيرات التي أثيرت حول انطلاق "عاصفة الحزم" في اليمن. يعاد تداولها اليوم بعد إعلان المملكة استعدادها إرسال قوات برية خاصة لمواجهة "داعش" على الأراضي السورية. ومع رجوح كفة القياس لمصلحة الوضع في اليمن من حيث الخطورة. إلا أن وجود القوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي، بقيادة السعودية، على أبواب صنعاء، وسيطرتها على ما يقرب من 75 في المائة من الأراضي اليمنية، فيه إجابة "ميدانية" كافية على كل مشكك.

تسليم سورية
التهاون في التعاطي مع خطر تنظيم القاعدة في أفغانستان والعراق، منذ انتهاء الحرب الباردة وبعد إسقاط نظام صدام حسين، وتسليم أمريكا ملف العراق والإرهاب بأكمله لإيران، عن طريق حزب الدعوة الشيعي، مع علم المجتمع الدولي بتورط طهران في حماية كثير من قادته، هو ما أدى إلى تحولات دراماتيكية أفضت إلى خروج "داعش". واليوم التاريخ يعيد نفسه عبر محاولات غربية جادة للتخلص من ملف "داعش" بتسليم سورية لإيران وأتباعها في المنطقة. وهذا ما لن تقبل الرياض تكراره.
ومن هنا فالتحالف العربي في اليمن لم يكن "مغامرة غير محسوبة" بل كان مدروسا سياسيا وميدانيا. وما عنصر المفاجأة في الإعلان عنه إلا خلاصة هذا التحالف سياسيا وعسكريا. وبالمفردات والإمكانات السياسية والعسكرية ذاتها يمكن قراءة التحالف الإسلامي، النواة الأولى السابقة لإعلان الرياض استعدادها إرسال قوات خاصة لقتال "داعش" في وقت يتحجج البعض بالبحث عن "داعش" بينما هو يضرب المعارضة المعتدلة أو يسهم بشكل أو آخر في استمرار معاناة الشعب السوري.
وبحسب ما يفهم من تصريحات المسؤولين السعوديين فإنه ليس الغرض من القوات "الخاصة" السعودية استعداء أحد من الفاعلين بمن فيهم روسيا. بقدر ما هو تكثيف للجهود وتنسيقها لمواجهة التنظيم وتحديدا على الأراضي السورية التي يجد التنظيم فيها ملاذا آمنا بعد تضييق الخناق عليه في العراق.

لماذا «قوات خاصة»؟
«قوات خاصة» تعبير عسكري مقنن ومقصود. فيه إشارة إلى فرق ذات مهمات نوعية محددة. وهو الأمر الذي يتماشى وطبيعة التنظيمات الإرهابية. المختلفة كليا في أساليبها القتالية عن الجيوش النظامية. وبالعودة لليمن تجدر الإشارة إلى أن قوات التحالف العربي بقيادة السعودية اختبرت النوعين في مواجهة قوات المخلوع وميليشيات الحوثي وتتظيم القاعدة.
كما يأتي الإعلان عن استعداد المملكة العربية السعودية لمواجهة تنظيم داعش بريا على الأراضي السورية بعد نفاد صبر الرياض من مماطلة المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا. ففي وقت تدعي فيه جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة محاربة التنظيم. فإنه على أرض الواقع لا نتيجة تذكر. فضلا عن التقدم الذي يحققه التنظيم إثر الاستهداف الصريح للمعارضة من قبل الطيران الروسي.
حتى بات "داعش" شماعة المجتمع الدولي التي يفضل الجميع تعليق أخطاء تقاعسه وتردده عليها. أمريكا والغرب يبررون ببقاء الأسد بوصفه ضامنا ضد تغول داعش وانفلاته. بينما إيران وروسيا يعولون على الأسد إقليميا لما هو أبعد من داعش. إذ إن وجود التنظيم فرصة سانحة تستطيع روسيا من خلالها تبرير تحرك طائراتها لأراض تبعد آلاف الأميال عنها. كما أن وجود "شماعة داعش" يناسب إيران كي تحشد ميليشياتها تحت هوية عقائدية واحدة من أفغانستان إلى لبنان مرورا بالعراق. ودائما بحجة داعش.

«داعش» عارض طائفي
"داعش" الذي لم يستهدف إيران نهائيا بقدر ما استهدف السعودية. "داعش" الذي يتعامل مباشرة مع النظام الأسدي، وفقا لتقارير ميدانية. إذ يتقاسم التنظيم مقدرات الشعب السوري من النفط الخام مع النظام في الخفاء وفي العلن. دون أن يؤثر ذلك في استهداف الشعب ببراميل النظام المتفجرة أو سكاكين التنظيم الوحشية يوما بعد آخر على مر الأزمة التي يعيشها السوريون.
وقد حاولت السعودية مرارا وتكرارا، على لسان مسؤوليها، وفي كثير من بياناتها، التوضيح أن "داعش" ليس إلا "عارضا" لسياسات طائفية قمعية استهلها المالكي في العراق وسار على نهجها الأسد في سورية، بأمر "المرجع الإيراني" الذي لم يخف سعادته علنا على لسان المتنفذين في طهران إحكام سيطرته على أربع عواصم عربية.
والمحصلة، إيران تتباهى بتغلغلها إقليميا وبتوقيعها النووي غربيا فيما روسيا تبحث عن دور إقليمي أصبح ممكنا في غياب واشنطن. في حين ادعاء مكافحة "داعش" سجل كثيرا من الحضور والأحاديث والاجتماعات المطولة لكن لم يسجل أي فعالية تذكر.
وهذا ما دفع السعودية إلى إعلان إنشاء تحالف إسلامي يأخذ بزمام المبادرة لمواجهة التنظيم فكريا وإعلاميا وعسكريا. تحالف لم يدم صمته طويلا، بعد الإعلان المفاجئ، ليشهد هذه الأيام تحركات جادة وفاعلة باتجاه الحلول العملية عبر اجتماع الأمير محمد بن سلمان بوزراء الدفاع الأوروبيين ووزير الدفاع الأمريكي وممثلين عن تحالف الناتو. لبحث كل ما يتعلق بتفعيل دور التحالف الإسلامي بقيادة الرياض جوا وبرا من أجل مكافحة التنظيم.
كما تم الإعلان عن موعد اجتماع أعضاء التحالف الإسلامي مارس المقبل في الرياض. وبعكس كثير من التحالفات الناشئة والمتدرجة ببطء. فإن هذا التحالف سيعقد أول اجتماع له وكثير من الملفات التي بادرت بها الرياض وطرحتها على وزراء دفاع وممثلين عن الناتو والتحالف الدولي جاهزة للتباحث والتشاور. ما يعزز من فعالية التحالف وجديته في مكافحة التنظيم مقارنة بغيره من الدول أو التحالفات التي تأخرت كثيرا ولا تزال.

العالم على المحك
والسعودية بهذه المبادرات التفصيلية والخطط الدقيقة التي قدمتها بما فيها التدخل البري عبر قوات خاصة مؤهلة ومشروطة بقيادة أمريكية في ظل غياب الشرعية. تضع المجتمع الدولي بقيادة واشنطن على المحك. كما أنها في الوقت ذاته تضع حدا لأسطورة تنظيم داعش السياسية، المتنامية بشكل أضر كثيرا بمساعدة شعب يقبع بين إرهابيين؛ إرهاب الدولة والنظام من جهة. وإرهاب التنظيمات والميليشيات التابعة من جهة أخرى.
والرياض بهذه الخطوات المتتالية لا تقفز في الفراغ لكنها أيضا لا تقف مكانها كالآخرين لتحمل كل فعل أو رد فعل على شماعة "داعش". بل تتحرك قدما وفقا لخطط وتجارب سياسية وعسكرية تراكمت وضغطت بحثا عن حل جذري. يستدعيه الظرف الداخلي المهدد بغدر الإرهاب بين لحظة وأخرى. تماما كما الظرف السياسي الإقليمي الذي بات خاملا وآسنا للدرجة التي معها تنمو حشائش الإرهاب بين جنبات الدول المضطربة وفي مساحاتها الخالية من أي سيطرة أمنية لا تليق بهيبة الدول ولا بسيادتها على أراضيها.
ويبقى التحالف الإسلامي بقيادة الرياض، وتفاهم جميع الأطراف وتفاعلها، بمن فيهم أصحاب الأرض والشرعية، إن وجدت، فكرة رائدة وجامعة. يمكن التعويل عليها فكريا وميدانيا. لمواجهة داء الإرهاب المتفشي بعيدا عن المحاصصات الطائفية الضيقة برعاية طهران وميليشياتها. وبعيدا عن أطماع شخصية لأنظمة لا يهمها مصلحة شعوبها ورفاهتها بقدر ما يعنيها بقاء استبداد حكمها لأطول فترة ممكنة.

الأكثر قراءة