«سوسيولوجيا الإرهاب» .. تحول العنف من أداة إلى معتقد

«سوسيولوجيا الإرهاب» .. تحول العنف
من أداة إلى معتقد
«سوسيولوجيا الإرهاب» .. تحول العنف
من أداة إلى معتقد

يواكب صدور كتاب "سوسيولوجيا العنف" (‬بيروت‮: ‬دار الساقي‬، 2015) تزايد موجة الإرهاب الذي أضحي خطرا عالميا يهدد كل مظاهر الحياة والمجتمع،‮ ‬والحضارة البشرية في الشرق والغرب على حد سواء‮. ‬وينطلق الكتاب بحسب الباحثة سارة خليل من تساؤل رئيسي،‮ ‬مفاده‮: ‬هل يولد الإرهابي بالضرورة إرهابيا؟ ولماذا يفجر الإرهابي نفسه وهو منتش من الفرح؟‬
تكمن أهمية هذا الكتاب في تركيزه على سوسيولوجيا العنف،‮ ‬وتأثير الثقافة في شخصية الفرد، ومفهوم الأصولية في الشرق والغرب، وسوسيولوجية العلاقة بين المجتمع والإرهاب، وتأثير الإرهاب في الفرد والمجتمع، وأخيرا دور نشر ثقافة التسامح في مواجهة المشكلات الاجتماعية المعاصرة‮.‬

إشكالية العنف
‮علي الرغم من وجود شبه إجماع بين الفلاسفة والمفكرين‮ -‬كما أوضح الكاتب‮- ‬على أن الإرهاب هو فعل يقوم علي انتهاك القوانين الإنسانية، فإنهم لم يتوصلوا إلي تعريف شامل له، ويرجع ذلك إلي الخلافات الأيديولوجية والسياسية القائمة،‮ ‬والطابع الدولي للإرهاب،‮ ‬ما يجعل هناك اختلافات في وجهات النظر تبعا لاختلاف المصالح والأهداف، والطابع السياسي للإرهاب وتنوع أساليبه، ولأن كل طرف يعرفه حسب فهمه واقتناعاته السياسية، خاصة عندما يتحول العنف من مجرد أداة إلى فكرة عقائدية مقدسة، كما أوضح الكاتب‮.‬
وفي هذا الإطار، ذكر المؤلف أن تعريف التحليل السوسيولوجي للعنف، يعد الأكثر قبولا بين المفكرين، حيث يعرفونه بأنه ظاهرة اجتماعية عامة، وتعبير مادي عن التعارض والخلاف الذي ينتج عنه الصراع وليس التعاون‮. ‬ويشير إلى أن وجوده في أي مجتمع يرتبط بالظلم،‮ ‬والقمع،‮ ‬والاستبداد في ظل انتشار حالة العجز،‮ ‬والخضوع،‮ ‬وعدم المواجهة‮.‬

#2#

ويتعرض الكتاب إلي تطور إشكالية العنف،‮ ‬واتسامها بالتعقيد والغموض،‮ ‬بعد تطور أدوات العنف وأساليبه بصورة كبيرة نتيجة التطور التكنولوجي،‮ ‬وثورة المعلومات والاتصالات الإلكترونية، مشيرا إلى ضرورة مواجهة العنف بكافة أشكاله،‮ ‬وأهمية الوعي بخطورة ثقافة العنف والبيئة التي ينشأ فيها، وربط النقد الموجه للعنف والإرهاب بالحق،‮ ‬والعدل،‮ ‬والقانون‮.‬

الإرهاب المعاصر
حدد الكاتب مجموعة من سمات الإرهاب المعاصر،‮ ‬منها أنه ليس حربا نظامية تشارك فيها جيوش الدول الكبرى،‮ ‬إنما يأخذ شكل حرب العصابات، كما تتعدد مصادره وجهاته،‮ ‬التي تتمثل في الأيديولوجيات الدينية المتطرفة، والأيديولوجيات القومية الشوفينية، والجماعات الفوضوية، والأيديولوجيات اليمينية المتطرفة، فضلا عن أن الإرهاب أصبح جماعيا، ويتضح ذلك من انتشار أعمال القتل والتدمير التي تقوم بها الجماعات الإرهابية‮.‬ وأخيرا، أصبحت الجماعات الإرهابية تستخدم أحدث الأجهزة والوسائل التكنولوجية الحديثة‮.‬
وميز الكاتب بين الإرهاب والعنف‮ -‬في إطار تناوله لهما‮- ‬بأن الإرهاب عنف منظم يهدف إلى تحقيق أهداف محددة،‮ ‬ويستخدم وسائل متعددة لتحقيق أهدافه، منها تهديد العدو،‮ ‬والانتقام منه،‮ ‬وتدميره، وبالتالي فهو‮ ‬غير مشروع،‮ ‬وليس أخلاقيا،‮ ‬لأنه موجه ضد المدنيين الأبرياء‮.‬
أما العنف المشروع،‮ ‬فهو عنف محدد وموجه تجاه هدف أخلاقي متمثل في تحرير الوطن من الاحتلال،‮ ‬والاستغلال،‮ ‬والتخلص من الظلم،‮ ‬والقمع،‮ ‬أو الدفاع عن النفس‮. ‬ويضيف الكاتب أنه "عنف مضاد ورد فعل على أعمال عنف وإرهاب تقوم بها منظمة سياسية،‮ ‬أو دولة معتدية، كما يحدث في فلسطين"، على حد قول الكاتب‮.‬

دور الثقافة
أوضح الكاتب أن التنشئة الاجتماعية،‮ ‬والثقافة،‮ ‬والبيئة المحيطة،‮ ‬وكذلك العلاقات الاجتماعية والسياسية، تلعب دورا مهما في دفع بعض الأفراد أو الشعوب إلى استخدام العنف، على أساس أن العنف استجابة مكتسبة من البيئة الاجتماعية،‮ ‬والسياسية،‮ ‬والثقافية‮.‬
وفي ذلك، استشهد الكاتب بالعراق، حيث رأى أن ثقافة العنف التي فرضها نظام صدام حسين أسهمت بشكل ملحوظ في تفكيك منظومة القيم والمعايير الاجتماعية الراسخة، وأحلت محلها قيم الحرب والقمع،‮ ‬والخوف، التي فرضت جميعها على المجتمع عن طريق عسكرته،‮ ‬ما أدى تدريجيا إلي جعل العراق ملاذا آمنا لانتشار الجماعات الإرهابية، خاصة بعد فشل الاحتلال الأمريكي للعراق في مارس‮ 2003،‮ ‬وانهيار المجتمع العراقي‮.‬
ورأى الكاتب أن التحولات الثقافية التي شهدها العالم أدت إلى استشراء العنف والإرهاب‮.‬ فمع تطور نظام العولمة،‮ ‬وثورة الاتصالات الإلكترونية،‮ ‬ظهر مفهوم تعدد الهويات،‮ ‬ما أدى إلى الصراعات بين الجماعات لإثبات وجودها‮.‬ كما أن مجتمع المعرفة الذي نما بسبب التقدم العلمي والتقني،‮ ‬وثورة الاتصالات، أصبح منزوع الثقافات الوطنية الموحدة، إضافة إلى أن صدمة الحداثة جعلت الجماعات السلفية المتطرفة تتبنى نوعا من الأيديولوجيات الجهادية المتمردة، وتعلن مقاومتها للعلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي،‮ ‬ما ساعد على ظهور تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الإرهابية التي تحولت فيما بعد إلى تنظيمات عالمية تهدد المجتمعات البشرية‮.‬

مواجهة الإرهاب‮
قدم الكاتب مجموعة من التوصيات لمواجهة العنف والإرهاب،‮ ‬من أبرزها ما يأتي‮:‬
1 - أكد الكاتب أن فصل ربط العنف بالدين لا يتم إلا باستكمال الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة شروط بقائها، وفي مقدمة تلك الشروط الانتقال بالأفراد من رعايا إلى مواطنين، وأن يكون دور الدولة ووظيفتها تنظيم وإدارة مؤسسات الدولة والمجتمع بصورة محايدة. وعدم السماح للمدعين باستغلال المبادئ والقيم الدينية لإشباع حاجاتهم ومصالحهم الخاصة،‮ ‬وتوظيفها في المجال السياسي والاقتصادي وغيرهما.
2 - ‬ضرورة دراسة العوامل والأسباب الاجتماعية،‮ ‬والاقتصادية،‮ ‬والسياسية،‮ ‬والعقائدية التي ينتج عنها العنف، حيث إن فساد الحكومات،‮ ‬وقمعها،‮ ‬وضعف الوعي السياسي،‮ ‬وحملات التكفير ضد الآخر تنتج بيئة توفر ملاذا آمنا لاحتضان الفكر التكفيري، ما يفتح المجال للحركات الإرهابية لاستغلال الشباب بزعم تحقيق أحلامهم التي فشلت دولهم العلمانية في تحقيقها‮.‬
3 - ‬تحسين منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية،‮ ‬وتشذيبها من التعصب والعدوانية السائدة،‮ ‬بحسبان القيم الاجتماعية والأخلاقية محركات السلوك الاجتماعي لدفع الأفراد إلى التعاون أو الصراع، فضلا عن تنقية الحواضن الفعلية التي تنمو فيها قوى العنف والإرهاب،‮ ‬وإدانة العنف، ومحاربة الداعمين للعنف والمحرضين عليه من مشايخ،‮ ‬ومتاجرين بالدين،‮ ‬والممولين للإرهاب ممن يحرضون على الجهاد،‮ ‬ومحاربة الكفار،‮ ‬وتجنيد الشباب،‮ ‬والنساء،‮ ‬والأطفال،‮ ‬كتنظيم "‬داعش‮".‬
4 - ‬نشر ثقافة التسامح والعفو بدلا من العنف،‮ ‬والكراهية،‮ ‬والعدوان،‮ ‬من خلال إصلاح منظمات الدولة والمجتمع، وتوزيع الحقوق والواجبات بين المواطنين بعدالة ومساواة‮.‬
5 - ‬تشجيع مؤسسات المجتمع المدني المتحررة من أيديولوجيات السلطة للقيام بواجبها في مراقبة الدولة ومؤسساتها،‮ ‬وكذلك التنظيمات الاجتماعية،‮ ‬والاقتصادية،‮ ‬والسياسية،‮ ‬والثقافية،‮ ‬ومحاسبتها،‮ ‬وتوجيهها نحو خدمة المجتمع‮.‬
واختتم الكاتب مؤلفه، بحسب ما تستعرضه الباحثة سارة خليل، بالإشارة إلى نتائج التحليل السوسيولوجي والسيكولوجي بأن الإرهابي لا يولد إرهابيا بالضرورة، إنما يصبح أكثر ميولا إلى العنف والإرهاب بفعل عوامل بيئية،‮ ‬واجتماعية،‮ ‬وسياسية،‮ ‬ودينية، مشددا على ضرورة تحسين طرق التربية والتعليم باتباع أسس علمية وعقلانية تبدأ بالتنشئة الاجتماعية‮.‬

الأكثر قراءة