روسيا تبحث عن دور إقليمي.. ولكن يبقى الأمل في مبادرات العرب
يخطئ من يظن أن التدخلات العسكرية المتوالية لروسيا (جورجيا، أوكرانيا، سورية) بغاية نشر المذهب الشيوعي أو من أجل إحياء حلف وارسو (معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المشتركين) وإعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي البائد، في وقت يرى في الكرملين النتائج غير الجيدة للاتحاد الأوروبي - الفاقد للمقومات الأساسية للوحدة، اللغة، الدين، القومية...- على أكثر صعيد في مقدمتها الاقتصادي والأمني والسياسي وكذا الاجتماعي، بل كل ما في الأمر أن روسيا تقاتل، وبكل بساطة، من أجل فرض نفسها داخل معادلة الأقوياء الذين يصنعون القرار العالمي؛ الذي كانت مؤثرة فيه إلى غاية تسعينيات القرن الماضي، فموسكو لم تتبن إيديولوجيا عالمية بديلا عن الشيوعية، ولم تسد فيها ديمقراطية ليبرالية حقة، ولكنها تسعى إلى استعادة دور الدولة العظمى قوامها في ذلك تبني فكرة الدولة والسيادة والمجال الحيوي كأيديولوجيا قومية روسية صرفة.
أدركت روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي أن معسكر واشنطن لا يدخر جهدا من أجل محاصراتها، وإحكام العزلة على الدب الروسي. تزامن ذلك مع صعود نجم فلاديمير بوتين الذي ارتبط لدى الرأي العام الروسي بسياسته العنيفة في الشيشان التي اجتاحها بعد تعيينه من قبل بوريس يلتسين رئيسا للحكومة عام 1999، ذات العام الذي بدأ فيه الرجل إعادة بناء روسيا وفق العقيدة الأورواسية مستحضرا أمجاد السلاف منعشا الذاكرة الروسية بتاريخ روسيا القيصرية.
وجد بوتين أمامه تاريخا ملهما، خصوصا ما تعلق في المجال الإستراتيجي حيث كانت روسيا القيصرية ممتدة في آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز التي اعتبرتها حديقتها الخلفية المؤدية إلى الجنوب، كل ذلك في مناكفة منها لأكبر إمبراطوريتين في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهما، الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية العثمانية.
ومن مكر التاريخ أو ربما من صدفه أن هاتين الإمبراطوريتين اعترضتا سبيل أحلام روسيا حينذاك، فقد اشتبكت مع الدولة الفارسية ثلاث مرات في الربع الأول من القرن التاسع عشر (سنوات 1804، 1813، 1826) ومع العثمانيين كذلك في سنوات (1828، 1829، 1853).
لكن ما لا يذكر التاريخ كثيرا أن روسيا اليوم التي ينسق معها أصحاب العمائم في طهران -في كل مجريات الأحداث بالإقليم، سورية، العراق، اليمن- كانت وراء فكرة مهاباد الديمقراطية الشعبية التي تأسست عام 1946، في مدينة مهاباد شمال إيران ذات الأغلبية الكردية، ورأسها قاضي محمد مؤيدا من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أن الضغوط الغربية القوية على السوفيات والشكوى التي تقدمت بها إيران لدى الأمم المتحدة اضطرت موسكو إلى التخلي عن دعم مهاباد بعد 11 شهرا من تأسيس جمهوريتها.
#2#
لندع أحداث التاريخ بعيدا، ولنعد لواقع المشهد العالمي المتعين أمامنا لنبحث فيما وراء عودة اللاعب الروسي إلى الشرق الأوسط في جبة الجندية التي يتوقع أن يحرك مياها عسكرية راكدة في المنطقة وليس سياسية:
أولا، جاء التدخل الروسي في سورية نتيجة غياب رؤية استراتيجية حيال الملف السوري عند الأمريكيين ما خلف فراغا دخل منه الروس بعدما أيقنوا أن ردة فعل الأمريكان ستكون فاترة بعد وضعهم أمام واقع الأمر.
ثانيا، يرى صانعو القرار في الكرملين أن سورية ستكون جسر عبور – بأقل كلفة بالنسبة لهم- لاستعادة روسيا دور الدولة العظمى، بحيث لا تتكرر مسألة فرض العقوبات عليها روسيا؛ كما كان الحال بعد الأزمة الأوكرانية. ففرض العقوبات على دولة عظمى من المحرمات دوليا، وروسيا يجب أن تكون فوق القانون، مثل أمريكا.
ثالثا، سعي روسيا لفرض نفسها على الساحة الدولية بمنطق القوة العسكرية في الميدان لا الأداء الدبلوماسي أو الناتج الاقتصادي، بعدما كان موقفها سلبيا إزاء الثورات العربية (مصر، تونس، ليبيا، ...). وهو أمر ليس بغريب من دولة لا تزال لعنة الثورات الملونة –التي كانت دول الاتحاد السوفياتي سابقا مسرحا لها – تطاردها.
رابعا، يعد فائض القوة الذي تظهر به روسيا في الساحة السورية رسالة من الروس إلى أصدقائهم السريين الذين لا يرغبون في الانضمام لمعسكر واشنطن، وفي ذات الوقت غير مستعدين لدفع فاتورة الجهر بالانضمام لمعسكر موسكو، مفضلين بذلك التعامل معها خلف الستار. سادسا، الوجود الروسي في سورية هدفه بالدرجة الأولى، إعادة صياغة النظام الإقليمي العربي تحديدا، لاعتقادها بأنه أسهل المناطق التي يمكن من خلالها إظهار الوجود والتأثير، ولظنها أن المنطقة اليوم تمر بحالة فراغ كبير.
خامسا، الحيلولة بالتنسيق مع إيران دون مساعي إعادة رص الصف العربي ووحدة مواقفه تجاه قضايا الإقليم، والتصدي للمد الإيراني في المنطقة (اليمن، العراق، لبنان، ...) الحليف الأول والأساسي للروس.
سادسا، الملف السوري فرصة استراتيجية مهمة لا بد من الاستفادة منها لتحقيق فائض من القوة والنفوذ يعوضها خسائرها في أوروبا، وذلك عبر التحكم في المجال العربي من سورية شرقا إلى ليبيا غربا.
لهذه الأسباب والدوافع يغادر الدب الروسي محيطه الإقليمي البارد نحو حوض الأبيض المتوسط ذي المياه الدافئة، ليخوض مغامرته هذه في منطقة أقل ما يقال إنها فوهة بركان أو برميل على وشك الانفجار، وكله أمل للدخول مجددا إلى نادي الأقوياء من بوابة الشرق الأوسط.
مفهوم المخالفة عن الدور الروسي لا يعني بالضرورة التماهي أو الانتصار للموقف الأمريكي وحلفائه، فكل طرف يلعب وفق ما يخدم حساباته ويضمن مصالحه، تحت مسميات كثيرة الديمقراطية، حقوق الإنسان، التنمية، ... وبقية اللغو المعروف في السياسة الدولية. ولا بأس من التذكير بأن "الغرب" هو من هلل للرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين عندما ضرب البرلمان المنتخب بمدفعية الدبابات في عام 1993، وكذا صمته عن غزو الشيشان سنة بعد ذلك وتدمير عاصمتها غروزني.
يبقى الأمل كل الأمل إذن على المبادرات العربية (عاصفة الحزم، التحالف الإسلامي ضد الإرهاب...) التي أدركت أن الوقت حان ليكون الموقف عربيا قولا وفعلا، فلا معسكر واشنطن ولا حلف موسكو مهتم حقا بما يجري في المنطقة العربية إلا في الحدود التي تصب في مصالحه وحساباته.