«الاستثمار في اللاجئين» .. صناعة «نفعية» غربية بامتياز
قد لا يعرف البعض أن أندرياس جروف مؤسس شركة إنتل العالمية هو مجرد لاجئ هرب من ويلات حرب المجر في عام 1956 إلى النمسا بطريقة غير شرعية، ضمن موجة لجوء بلغت قرابة 200 ألف لاجئ غير شرعي من المجر إلى أوروبا والولايات المتحدة. جروف كان بلا شهادة جامعية ولا أموال ولا عائلة، لكن المفارقة أن هذا اللاجئ استطاع بعد عشر سنوات تأسيس شركة إنتل، وأصبح من شخصيات العام في مجلة "تايم" الأمريكية.
هذه القصة الحقيقية التي يرويها الباحثان مايكل كليمنس وجاستين ساندفو، وهما يعملان في مركز التنمية العالمية، ضمن مقالهما في مجلة "الفورين بوليسي" في أيلول (سبتمبر) 2015، تأتي ضمن محاولتهما طرح نظرة مغايرة إلى أزمة اللاجئين في العالم، التي تفاقمت إثر اشتداد الحرب في سورية، وتصاعد الخلافات حول أوروبا حول استقبالهم من عدمه. إذ يرى الباحثان أنه يمكن تحويل أزمة اللاجئين من عبء إلى منفعة لدولة الاستقبال. وليس جروف وحده هو الذي بات يمتلك شركة تكاد لا تقدر ولا تحصى مواردها اقتصاديا وذات أهمية استراتيجية. بل إن آخرين ممن لحقوا بموجة اللجوء هذه أسهموا - فيما بعد - في تأسيس صناعات وفن جديد لكنهم ليسوا بشهرة أندرياس، إضافة إلى انخراطهم في النسيج المجتمعي وتكوينهم عائلات أدت إلى زيادة التنوع في المجتمع.
وبحسب مقال "الفورين بوليسي"، فقصة "جروف" تكشف عديد من المؤشرات التي يجب أن تنظر إليها الدول المستقبلة للاجئين نظرة برجماتية ونفعية؛ فاللاجئون يمكنهم أن يصبحوا سببا لتطور البلد المستقبل في حال إدماجهم، إلا أن الدول الأوروبية تختزل أسباب اللجوء في أن اللاجئين يسعون للهرب من الصراعات والفقر المنتشر بدولهم إلى الدول الأوروبية الغنية، ومن ثم فإن الحل بالنسبة للدول الأوروبية يتمثل في تحسين أوضاع الدول المصدرة، مع ممارسة ضغوط متعددة على اللاجئين في دول الاستقبال.
وفي هذا السياق، يدحض الكاتبان الفرضية التي تقوم على أن التنمية الاقتصادية للدول الأكثر احتياجا، ستقلل موجات اللجوء في السنوات المقبلة، خاصة أن كثيرا من اللاجئين يأتون من الدول التي تصنف كدول متوسطة الدخول مثل الجزائر وألبانيا، وهي دول يتوافر بها خدمات تعليمية واجتماعية وصحية جيدة إلى حد ما، ومع ذلك يختار سكان هذه الدول المتوسطة اللجوء إلى دول أوروبية.
إغلاق الحدود
يرى الكاتبان أن غلق الحدود والإجراءات الاستثنائية لن توقف اللاجئ الذي لم يعد لديه ما يخسره من محاولة الهروب؛ فألمانيا على سبيل المثال قد أظهرت استعدادا لاستقبال عديد من طالبي اللجوء من سورية هذا العام؛ ما دفع عديدا من اللاجئين إلى أن تكون ألمانيا وجهتهم، على عكس دول أخرى جعلت المنع الرد الأولي للاجئين.
وأستراليا - على سبيل المثال - قد وضعت إجراءات شديدة القسوة بحريا لمنع تسلل اللاجئين إليها، فانخفض العدد من 20 ألفا في 2013 إلى صفر في 2014. ومن هذه الإجراءات دوريات تأمر مراكب المهاجرين بالعودة حتى ولو كانت على وشك الغرق. هذه الإجراءات لم توقف اللاجئين من محاولات اللجوء، لكنها ستجعل الضغوط تزداد على الدول التي تضع إجراءات ميسرة مثل ألمانيا؛ ما يزيد صعوبة مهام الدول المستقبلة حتى توقف استقبال اللاجئين.
وفي استطلاع رأي أجراه الاقتصادي (لانجوير موسلي مباي)، فإن نصف اللاجئين غير الشرعيين قالوا إن احتمالية غرقهم في عرض البحر لن تثنيهم عن رحلتهم للجوء إلى أوروبا؛ فهي قارة مزدهرة وديمقراطية، ومن الجدير بالذكر أن رحلات اللجوء عبر المتوسط خلفت وراءها 20 ألف قتيل على مدار العقد الماضي، وعلى الرغم من كل هذه المخاطر التي يدركها اللاجئون ما زالت أعدادهم في تزايد مستمر.
وبحسب وجهة نظر الكاتبين، فإن الحل الأمثل لأزمة اللجوء هو وجود آلية للتعاون لتشارك المسؤولية؛ فالأدوات المتاحة الآن للتعاون غير مفعلة بشكل كامل الآن؛ فعلى سبيل المثال اتفاقية الأمم المتحدة الصادرة عام 1951 المختصة بشؤون اللاجئين تكرس لمبدأ عدم الإعادة القسرية، لكن عديدا من الدول ترفض الالتزام بها.
ويعد الطرح الذي قدمته دول الاتحاد الأوروبي في 22 أيلول (سبتمبر) 2015، خطوة على الطريق المعتدل؛ حيث وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على استقبال 120 ألف لاجئ، لكنه أيضا سلاح ذو حدين؛ حيث تتمثل مشكلة هذا الطرح في نقطتين: الأولى - أن أوروبا بهذا تعنى بـ 120 ألف لاجئ الذين وصلوا إليها فقط، على الرغم من وجود 400 ألف لاجئ من سورية وحدها في العالم، وهو ما يعني أنها تحاول الاهتمام بما هو داخل حدودها فقط.
أما النقطة الثانية، فتتعلق بأن اقتصار الأزمة على أوروبا سيزيد أزمات مخيمات اللاجئين في دول اللجوء الأولى في الشرق الأوسط، وسيترك تلك المخيمات بلا تمويل؛ ما سينتج عنه موجة نزوح العام المقبل، والمطلوب لحل هذه الأزمة هو حل عالمي للتماشي مع الأزمة بكاملها لا مع جزء منها.
إدماج اللاجئين
يطرح المقال رؤية نفعية تشير إلى أن الدول التي تسعى إلى إشراك اللاجئين ودمجهم في المجتمع، تحصد عوائد اقتصادية أكثر من تلك التي يعيش فيها اللاجئون في المخيمات، لكن في بعض الدول، مثل الأردن ولبنان، فعلى الرغم من التقارب الثقافي بينهما وبين اللاجئين السوريين، فإنه لا توجد موارد مالية لدمج اللاجئين وتوفير أماكن سكنية مناسبة لهم، خاصة أن المساعدات الخارجية لهذه المخيمات ضئيلة للغاية.
وتمثل تركيا في هذا الصدد نموذجا على دمج اللاجئين في المجتمع؛ وهو ما أثر بالإيجاب على الاقتصاد التركي وعلى رواتب العمال الأتراك، كذلك كان الحال في أوروبا في الفترة بين عام 1994 إلى عام 2000؛ حيث استقبلت الدنمارك ما يقارب من 80 ألف لاجئ؛ وهو ما ارتقى بالمستوى الاقتصادي للعمال الدنماركيين. وتوصل الاقتصاديان (مات فوجد) و(جيوفاني بيري) في أحد دراساتهما أن اللاجئين رفعوا من مستوى الأجور والعمالة.
وبالطبع، هذه الفوائد لا تأتي أوتوماتيكيا، فالدولة المستقبلة يجب أن يكون لديها الحد الأدنى من الخدمات للاجئين؛ فوفقا للمفوضية العليا للاجئين، تصل تكلفة إقامة اللاجئ السوري في مخيم الزعتري بالأردن ستصل إلى عشرة آلاف دولار خلال السنوات المقبلة، أما ألمانيا، فمن المتوقع أن تحصد مئات الآلاف من الدولارات حال اندماج اللاجئ السوري بنجاح في سوق العمل، لكن عليها قبل ذلك أن تتحمل 14 ألف دولار تكلفة إعادة توطين الشخص الواحد.
ويطرح الكاتبان في هذا الجزء رؤية حول التفكير البرجماتي النفعي للدول المستقبلة؛ فعندما تفكر الدول في الاستفادة من اللاجئين عوضا عن الخوف منهم، وقتها يمكن الاستفادة من موجة اللجوء واستنباط الجانب الإيجابي منها، عوضا عن التفكير في "غزو اللاجئين" للبلاد، كما قال (ديفيد كاميرون) رئيس الوزراء البريطاني.
وختاما، يؤكد المقال أن الاستفادة من وراء اللاجئين ليست فورية، وأيضا ليست نظرية؛ فالعالم عندما استقبل 200 ألف لاجئ مجري يائس، أعطى هؤلاء اللاجئون العالم هدية، ولم يكن الأمر متوقفا على استقبال دولة أو اثنتين، بل احتاج إلى أكثر من 37 دولة للتعاون والعمل معا للاستفادة من هذه الأزمة. وهو ما يتطلب ضرورة وجود اتفاق عالمي ملزم بحصة مساوية من اللاجئين يمكن أن يحل أزمة اليوم، إضافة إلى تحويله من عمل خيري إلى استثمار تاريخي ليحصد العالم فيما بعد ثماره.