عروبيو إيران وبعثيو «داعش».. عصابات تقتات على ضعف الدولة
نشهد اليوم تحالفات إجرامية تستغل ضعف هيبة بعض الدول وتراجع سيطرة حكوماتها على أراضيها،
تنظيمات لم يكن لأحد أن يصدق أو يتصور اجتماعها قبل عقود. فأدعياء محور المقاومة والممانعة "العروبية" قرروا أن يكونو بيدقا وصوتا لثورة "فارسية". بينما داعش صاحب فكرة "الخلافة" الإسلامية المزعومة، يترك ترتيب أوراقه السرية وتوزيع أدواره الانتحارية لضباط "بعث" سابقين. فما الذي يجمع هذه الخليط، المتنافر فكرا، المتضامن فعلا وإجراما؟
عداء مشترك
اللافت أنه ورغم البون الشاسع في مسار كل فريق وخلفياته التاريخية إلا أن عداءهم الفكري لمفهوم الدولة الوطنية يكاد يكون واحدا. فالثورة الخمينية لم تكتف بما حققته داخل إيران من سيطرة وانقلاب مسلح على مستوى إدارة الدولة. فسعت من خلال حرسها الثوري إلى تصدير الثورة بمسميات ووسائل عدة.
القومية العربية ومن خلال كثير من دعاتها وزعمائها الاشتراكيين والشيوعيين والبعثيين، على اختلاف أفكارهم، كانت ولا تزال أيضا تناصب "الدولة الوطنية" أشد العداء، ومن أكثر المشككين في جدواها واستمرارها. طمعا في دولة شمولية من الخليج إلى المحيط. بينما "الإسلام السياسي" الذي أفرخ اليوم كثيرا من الجماعات المتطرفة يسعى إلى أبعد وأوسع من ذلك تحت مسميات أممية ليست بالبعيدة عن مسميات القاعدة وداعش وغيرهما من التنظيمات، وإن كانت تدعي السلمية من جهة إلا أنها لا تكتفي من جهة أخرى بالتحريض على مفهوم الدولة الوطنية في أهم ما تملكه من قيم وولاءات.
#2#
القومية العروبية كما الثورة الفارسية إضافة إلى الإسلام السياسي اشتركوا في عدائهم للدولة الوطنية، فمن باب أولى يكون عداؤهم لهيبتها أشد وادعى، فعلى هيبة الدولة الوطنية وتمكنها اجتماعيا وحكوميا وسياسيا تتحطم آمالهم وأوهامهم التوسعية. لذلك لن يكفيهم التحالف مع الشيطان نفسه لإعادة تحقيق الذات.
وهو ما تفعله هذه التحالفات إعلاميا وسياسيا بل وعسكريا تحت غطاء المصالح المرحلية وضرورات التداعيات السياسية. ولكن اللافت والمتناقض في كثير من هذه الأنظمة وعلى رأسها النظامان الإيراني والسوري، ومن سبقهما، أنهما من أكثر المستفيدين سلطويا ولعقود من فكرة الدولة القطرية، ماديا وعلى مستوى الفساد الإدراي والسياسي، مع الاستمرار في الدعاية الثورية التصعيدية التي تؤخر كثيرا من الإصلاحات الداخلية إما بالتسويف لأحلام عروبية وقومية أكبر، أو بحجة وقوف الآخرين الأعداء في وجه كل ما من شأنه تطور البلد، لتكسب هذه الأنظمة مزيدا من التعاطف من قبل الموالين لها وكثيرا من غض البصر عن فسادها المتعاظم داخليا، مع استمرار تنفيذ أجنداتها الخارجية التوسعية على أيدي أتباعها المزروعين كالسكاكين في خواصر أوطانهم من العراق إلى اليمن مرورا بسورية ولبنان.
هيبة شعبية
قوة الدولة وهيبتها ليست أمرا أمنيا وعسكريا فحسب لكنها أيضا ثقة شعبية تسهم في وجودها عدالة قانونية واجتماعية، ما يعني حراكا اقتصاديا يضمن استمرار عجلة التنمية في أسوأ الأحوال وازدهارها في أحسنها، في حين يفعل الركود الاقتصادي بالدول الأفاعيل.
ولعل الاضطرابات العربية (الربيع العربي) التي كانت شرارتها الأولى عربة خضار على قارعة الطريق. تعطي أبلغ صورة عن خطورة هذا الأمر الاقتصادي وأسبقيته حتى على أشكال إدارة الحكم. ومع ذلك تبقى هناك، بحسب مراقبين، تحليلات مسيسة تضع الديمقراطيات المطلب الأول، في ظل صراع نخبوي أثبت فشله في إدارة الدولة وتقاسم السلطة حتى بعد الإطاحة بالأنظمة التي ادعى مرارا أنها العائق الوحيد.
قد تزول أنظمة ولكن الدول تبقى وإن ضعفت في انتظار استعادة الهيبة والسيطرة، قبل كل شيء، وبعد أي شيء. فالسيطرة المرفوضة في عرف بعض الحقوقيين العرب برومانسية مفرطة، باعتبارها وسائل قمع ليس إلا. هي ذاتها التي يخشى الغرب الرائد في الحقوق والديمقراطيات فقدانها. فنجد فرنسا تهب لضبط حدودها وسحب الجنسيات من كل مشتبه بصلته في الارهاب، وبريطانيا تكاد لا يخلو فيها شارع من كاميرا مراقبة تلتقط مئات آلاف الصور يوميا ثم تعرضها على قواعد بيانات معدة سلفا للمقارنة والتحليل والتدقيق.
الخصوصية، المقدس الأكبر في حياة الغرب، استعد الجميع وبتوافق معقول للتضحية بها مقابل أمن الدولة الوطنية وقوتها، فبقاء الدولة من بقاء أمنها، بينما بقاء العصابات من زوال الدول وأمنها. حقيقة تدركها دولة القانون وتغيب عن أنظمة تبيد شعوبها بالكيماوي والبراميل المتفجرة وأخرى تعدم مواطنيها باستخدام رافعات البناء.
التقاء الفكر الأممي التوسعي على اختلاف مشاربه بعد عقود من الزمان واشتراكه في الحقد على دول وطنية ناجحة بالمعايير الشعبية والتنموية، دليل فشل تنظيري وسياسي من الممكن فهمه ولكن من غير الممكن تبريره أو تجاهله أو حتى الدعوة لإصلاحه من الداخل كما تفعل الرئاسة الأمريكية اليوم، لأن خطورة التروي والرهان على إصلاحه تعادل خطورة عدم إصلاحه. إذ إن المنطقة تعيش أسوأ حالات الغليان الهوياتي الطائفي، الذي تغذي صعوده ميليشيات مسلحة بني اقتصادها الأسود ووجودها الإجرامي على هذا الوضع الطائفي لتصبح دولا داخل دول، أو بالتعبير الأدق أنظمة تقاتل أنظمة.
يبقى أن فرحة تنظيم داعش بإزالة الأقمعة الترابية، بين حدود سورية والعراق، في وقت سابق لا تختلف كثيرا في رمزيتها وهمجيتها عن رغبات إيرانية وممانعاتية عروبية في تجاوز واختراق حدود كل ما هو متماسك وطنيا، مع اختلاف الوسائل الإجرامية.