تطوير المساعدات الإغاثية .. عنوان عريض لعمل إنساني دقيق

تطوير المساعدات الإغاثية .. عنوان عريض لعمل إنساني دقيق

أدى تزايد أعداد الصراعات والحروب والكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية في عديد من دول العالم إلى تصاعد الضغط على قطاع المساعدات والإغاثات الإنسانية؛ والذي يسعى رغم محدودية موارده لتغطية أكبر قدر ممكن من احتياجات الأفراد في المناطق المنكوبة، وعلى سبيل المثال لم تستطع هذه الموارد سوى تغطية أقل من 40 في المائة من الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة.
ومن ثم كان لا بد من البحث عن سبل جديدة لتوفير الدعم والمساعدات للمناطق الأشد احتياجاً، خاصةً مع توقع عدم زيادة التبرعات والموارد في المدى القصير لتواكب سرعة الأزمات. وهو ما طرحه كل من "ديفيد ميلباند" (المدير التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولي) و"رافي جورومورثي" (نائب رئيس لجنة الإنقاذ الدولي للشؤون الاستراتيجية والإبداعية) في مقالهما الذي تم نشره بمجلة " Foreign Affairs" في أغسطس 2015 تحت عنوان "تطوير المساعدات الإنسانية: كيفية جعل الإغاثة أكثر كفاءة وفعالية"، وعرضت له تغريد مجدي، باحثة ماجستير متخصصة في اللاحركات الاجتماعية. وقد حاولا فيه طرح طرق وأساليب جديدة من شأنها أن تحسن وتطور من طرق التوزيع والاستفادة من تلك الموارد والإمكانات المحدودة.

حجم المساعدات الإنسانية
يقدر إجمالي المساعدات الإنسانية العالمية بنحو 22 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعادل 0,3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتعد دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أحد أكبر المساهمين في مجال المساعدات الإنسانية، بيد أن هذه الدول لم تخصص سوى ما يقدر بنحو 135 مليار دولار للقضاء على الفقر في عام 2014، وهو الرقم الذي يمثل 0,7 في المائة من إجمالي الميزانية التي وضعتها الأمم المتحدة لمحاربة الفقر.
من ناحية أخرى، تقوم المنظمات الدولية بتركيز مساعداتها في مناطق بعينها مع إهمال باقي المناطق، ففي عام 2013 حصلت 20 دولة على 5,5 مليار دولار كمساعدات إنسانية، كما حصلت نفس هذه الدول على 28,6 مليار دولار كمساعدات تنموية، ويقدر ما تحصل عليه الدول الهشة من المساعدات بنحو 38 في المائة من إجمالي المساعدات العالمية فقط، وبصفة عامة يتوقع أن يحدث تناقص تدريجي في حجم المساعدات الإنسانية في الفترة القادمة، ولا سيما مع الأزمة المالية العالمية التي ما زال عديد من دول العالم في طور التعافي منها.

معوقات فعالية الإغاثة
على الرغم من تنوع الجهود، التي تبذل في مجال الإغاثة الإنسانية، سواء بواسطة أفراد أو منظمات، إلا أن فاعلية هذه الجهود لا تزال محدودة وذلك بسبب مجموعة من العوامل لعل من أهمها:
1 - معايير التصنيف: أشار الباحثان إلى جمود سياسات التقسيم، التي تتبعها العديد من المنظمات الدولية، ويتم على أساسها منح المساعدات؛ فمثلاً يتم تحديد نمط المساعدات، التي تمنح للدولة والمدى الزمني لها بناء على معيار دخل الدولة؛ حيث يتم منح الدول متوسطة الدخل مساعدات إنمائية فقط، بينما تُمنح الدول محدودة الدخل مساعدات مالية، وفي هاتين الحالتين يتم تحديد مدى زمني قصير نسبياً ليتم فيه تحقيق الأهداف المحددة.
إلا أن هذا التقسيم لا يواكب التغيرات المختلفة، وهو ما دفع "أنطونيو غوتيريس"- المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين- إلى استنكار رفض البنك الدولي دعم كل من الأردن ولبنان رغم تلقيهما لملايين اللاجئين السوريين بدعوى أنهما دولتان متوسطتا الدخل.
كما أن المدة الزمنية القصيرة لبرامج المساعدات لا تتلاءم مع واقع عديد من الدول النامية، إذ إن أغلبية هذه الدول تعاني عديدا من الأزمات الداخلية والصراعات الممتدة والحروب الأهلية الطويلة مثل: الصومال وأفغانستان، وهو ما يتعذر معه تحقيق أهداف برامج المساعدات.
2 - مشروطية المساعدات: تضع المنظمات المانحة شروطاً يجب على الدول تنفيذها قبل منح أي مساعدات، كما تقوم بعض المنظمات بوضع مجموعة من الإجراءات الطويلة وهو ما يعني الانتظار حتى تفاقم الأزمة ثم البدء في حلها.
كذلك تفرض بعض الجهات المانحة شروطاً على الجهات المحلية المسؤولة عن توزيع المساعدات، كمطالبتهم بتقليل التكاليف الإدارية، وقد تؤثر هذه الشروط في جودة الخدمة، بل وفي بعض الأحيان قد تلبي رغبات تلك المنظمات والجهات بدلاً من تلبية احتياجات الدولة المستقبلة، كما تتبع تلك الجهات نموذجا واحدا، وتحاول تطبيقه في كل الدول المتلقية للمساعدات بغض النظر عن اختلاف السياق والظروف الخاصة لكل منطقة.
3 - توزيع المساعدات: تعاني عملية تخصيص المساعدات عدم العدالة وافتقاد الشفافية في كثير من الأحيان، فعلى الرغم من أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في الدول المسماة "الدول الهشة" يقدر في الوقت الحالي بنحو في المائة 43، فإنها تتلقى 38 في المائة من إجمالي قيمة المساعدات العالمية، وهي النسبة التي يُتوقع أن تظل ثابتة لفترة طويلة على الرغم من أن النسب تشير إلى أن عدد من يعيشون تحت خط الفقر في الدول الهشة في ازدياد مطرد؛ إذ إن هناك توقعات تشير إلى أن النسبة ستصل إلى 62 في المائة بحلول 2030.

سياسات تعزيز الفاعلية
يستعرض المقال مجموعة من المقترحات والآليات لتحسين المساعدات الإنسانية، وضمان توزيعها بشكل عادل على كل البلاد، ولعل من أهمها:
1 - البرامج التنموية: يؤكد المقال وجود عديد من الدول التي قد لا تكون في حاجة إلى مساعدات مالية قدر حاجتها إلى برامج تنموية، وهو الأمر الذي ينطبق على الهند وشرق آسيا وإفريقيا، فيما توجد مجموعة أخرى من الدول محدودة الدخل التي يجب منحها مساعدات مالية، إضافة إلى مساعدتها في صياغة برامج تنموية مناسبة لظروف كل بلد، ولعل من أهم الخطوات التنموية المقترحة زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، وتسهيل الهجرة والتحويلات المالية، التي من شأنها أن تقضي على الفقر.
2 - البحوث الميدانية: يشير الباحثان إلى ضرورة إجراء البحوث والاستبيانات الميدانية، وذلك على الرغم من التكلفة الباهظة لهذه البحوث، حيث يمكن من خلالها التعرف على مدى التغيير والتأثير الذي أحدثته المساعدات في كل دولة على حدة، وهو ما سيساعد الجهات المانحة في تطوير سياستها في مجال المساعدات مستقبلاً.
3 - سياسات الإنفاق: أشار المقال إلى أنه لا بد من وضع آليات تسمح بوجود درجة عالية من الشفافية في الإنفاق، سواء لدى المنظمة المانحة أو الدول المستقبلة، مع التأكيد على تقليل التكاليف عديمة الأهمية إلى أقصى درجة ممكنة.
يضاف إلى ذلك ضرورة تبني السياسة التي يطلق عليها "عامل 4"، التي اقترحها علماء البيئة، وتفيد بتقليل الاستهلاك للنصف مع مضاعفة الإنتاجية للضعف، ومن ثم سيتم الحصول على أربعة أضعاف الناتج. وعلى المنظمات أيضاً أن تقلل التكاليف التي تسببها البيروقراطية، خاصةً الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بتوكيل كل منظمة للأخرى حتى تصل المساعدات للدولة، ما يترتب على ذلك تكاليف إدارية باهظة، وعليه تم اقتراح التعامل المباشر بين الأمم المتحدة والوكالات الكبرى التي تغطي أماكن عدة كوسيلة لتقليل تلك التكاليف.
4 - حوافز تشجيعية: يعتمد هذا المقترح على اتباع نمط معين من الحوافز يشبه النمط البريطاني، ولكن ليس فقط لتشجيع المتبرعين وإنما أيضاً لتشجيع الجهات المنفذة. كما يجب فرض درجة تطوير معينة على الوكالات التي تتبنى توزيع المساعدات على الأرض بحيث تثبت جدارتها بالمهمة، ومع طرح فكرة "المنافسة" بين الجهات المنفذة ومنحهم الموارد اللازمة الكافية لذلك ستؤدي كل منهم دوره على أكمل وجه، كما يجب أن تثبت قدرتها على إجراء استطلاعات لرأي للفئة التي ستوفر لها الخدمات. وبذلك سيتحقق التغيير الأكبر والمتمثل في تلبية احتياجات الأفراد وليس المنظمات أو الوكالات أو الدول.
وختاماً انتهى المقال بتوضيح أهمية الدور الذي يلعبه القطاع الإنساني في حل الأزمات التي تسببها الحروب والصراعات السياسية والكوارث البيئية، حيث يعد قطاع الإغاثة الإنسانية أحد أكثر القطاعات حيادية واستقلالية، وذلك على الرغم من كل المشكلات التي يعانيها، والتي يمكن حلها بتفعيل المقترحات التي تم طرحها في المقال، إلا أن تطبيق هذه المقترحات يظل مرتبطاً بقدرة الدول النامية على تحقيق قدر عال من الشفافية ومكافحة الفساد.

الأكثر قراءة