في نقد «الحداثويين» العرب .. ممكنات أخرى لمسار جديد
يجد بعض الحداثيين العرب - أو بتعبير أدق "الحداثويين" - المعاصرين أنفسهم في موقف حرج، من جراء الالتباس القائم عندهم نتيجة إسقاط تجربة الحداثة في سياقها الأوروبي على واقعنا العربي، والسعي إلى المطابقة الكلية بين الواقعين دون حفظ الفوارق والاختلافات؛ فالحداثة هناك خروج من الدين وفق تعبير الفرنسي مارسيل غوشي (الدين في الديمقراطية / 2007 )، أو بصيغة أكثر دقة عند رشيد بوطيب فالحداثة ليست خروجا عن الدين ولكن خروجا على "سلطة" شخوصه وعلى تحويلهم إلى سلطة مطلقة، وذلك كله بغية ترتيب البيت الداخلي للحداثة وإقامته على أسس التعددية وقيم التنوع والاختلاف.
نقطة التماس تلك بين "الدين" و"السلطة الدينية" ولدت سوء فهم كبيرا - عندنا في السياق العربي - ما جعل الكثير من بني جلدتنا يدخلون الحداثة قسرا في صراع مع الدين، لتكون النتيجة أن الحداثي - من منظورهم - غير متدين وأن المتدين لا يمكن أن يكون مطلقا حداثيا، وهذه جناية كبرى على أفكار الحداثة والمشروع الحداثي.
#2#
وعليه وجد هؤلاء المبشرون أنفسهم من حيث لا يدرون مدافعين عن نسخة مزورة للحداثة ومشروع محرف قوامه الانفتاح أو بالأحرى الارتماء في أحضان الغرب والانسلاخ الكلي عن التراث، وهي فكرة تتكرر في كتابات كل "اليعاقبة العرب" الذين فهموا الحداثة كفكر معاد للدين، رافضين كل المحاولات التوفيقية التي طلبت المصالحة بين التراث والعصر.
إن بعض الوكلاء المحللين للحداثة الغربية في وضع لا يحسدون عليه، بفعل اختزالهم للحداثة وإنجازاتها المتراكمة في علمانية دوغمائية أولا، وثانيا من جراء الشطط والمصادرات التي يعمدون إليها في تعاملهم اللاموضوعي مع التراث العربي والإسلامي الذي يرونه عائقا أمام كل "مشاريع الخلاص" التي يقدمونها لهذه الأمة، فهم صناع التغيير وقادته ما على الشعوب سوى السير على هديهم... وفي المقابل، أسلوب تعاطيهم اللانقدي واللاتاريخي مع فلسفة التنوير ومفاهيمها وسياقات الحداثة الأوروبية.
#3#
يبدو أن أنصار "القطيعة والتاريخانية" و"دعاة التغريب" و"العلمانية الدوغمائية" وغير ذلك من الشعارات... يقعون عن غير وعي في منزلق خطير يقودهم إلى التنميط، فالمطالبة بالتغريب لا تعني سوى المساهمة من حيث لا ندري في تفقير الحضارة الإنسانية، والإجهاز على تعدديتها التي جاء مشروع الحداثة لحمايته وترسيخه والدفاع عنه.
صدقا إن هؤلاء يعيشون في عصر "الفهلوة الفكرية" بامتياز إذ كيف سيدافع هؤلاء وغيرهم عن مشاريعهم الفكرية وأطروحاتهم العلمية التي دبجوا بها الآلاف الصفحات ومئات الكتب، أمام مقولة لفيلسوف ألماني من طينة أودو ماركفارد الذي يقر بأن "الدين نفسه لا يموت في الحداثة"، ومعه المفكر الألماني توماس باور بكتاب "ثقافة الالتباس: نحو تاريخ آخر للإسلام" التي يعكس فيه ما ذهبوا إليه.
إن دعاة الحداثة الفائقة يصرون على أن التاريخ تطور خطي أبدي، فهم يقيسون بمسطراتهم المعصومة مدى الملاءمة والخيانة، فإذا كل من يحاول أن يجد صياغات للتحديث تأخذ بالاعتبار تضاريس الميدان ومكبلات الواقع واستعدادات العقول المتلقية والمجمتعات المعنية، هو خائن ورجعي وأصولي ومحافظ ... إلى آخر ذلك من الصفات لا أكثر ولا أقل.
قال رائد التنوير الأوروبي إيمانويل كانط يوما "وحده طريق النقد ما زال مفتوحا" حكمة بالغة ربما لم يسمع بها الحداثيون العرب أو بالأحرى سمعوها ولكن أصروا على تجاهلها نظرا لمحمولاتها على أفكارهم. حري بنا اليوم قبل الغد البحث عن ممكنات أخرى لمسار جديد فهناك (الغرب) ليس أبدا هنا (الشرق)، ومن باب المستحيلات أن يكون لذات وصفة الدواء الفاعلة هناك ذات الأثر والفعالية هنا.
صحيح أن مسار الإنسانية خطي وتقدمي، لكن آثار الماضي ورواسبه تبقى حاضرة في الحاضر والمستقبل لا محيد عنها، فالانطلاق من العدم محال والسعي للاستنساخ لا يعطي النتيجة ذاتها، فالأسد حين يقلد أسدا يصبح قردا كما في المثل.
ختاما نعود إلى الذات والذاكرة العربيتين لنشير إلى التنكر للذاتي والمحلي وتجاهله عمدا وعن سبق إصرار وترصد بل السعي إلى طمسه لا لشيء سوى أنه نشأت خارج المجال الأوروبي مشرق الأنوار ومنبع الحداثة.
ونقصد بالتحديد هنا بعض المحاولات العربية والإسلامية التي أهوتها غواية النبش في واقعنا، فطرحت أفكارا من صميم مشروع الحداثة والتنوير، لكن الإشكال الأكبر الذي يحمله الحداثويين المعاصرين تجاه هؤلاء ليس في ما يطرحونه من أفكار بقدر ما أن أصحاب هذه الأفكار ذوو جلاليب وعمائم عربية وإسلامية وليس بدلات وربطات عنق غربية أوروبية.
أليس فكرة الفقيه الأزهري الثائر المصري علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (1925) من صميم المشروع الحداثي، وقبله السوري عبد الرحمان الكواكبي الذي عمل على تجسير القياس إلى السياسة بتقعيد الاجتهاد وتقويض الاستبداد في مؤلفه –الذي كان وراء تسميمه - "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" (1902)، ... وغيرهم ممن يوصفون في أحسن الأحوال عند هؤلاء الإصلاحيين.