«الشيلات» .. غناء منزوع الموسيقى يرمم كسور قصائده بألحان مسروقة

«الشيلات» .. غناء منزوع الموسيقى يرمم كسور قصائده بألحان مسروقة
«الشيلات» .. غناء منزوع الموسيقى يرمم كسور قصائده بألحان مسروقة

الشلّة أو الشيلة موروث شعبي طالته يد العبث والتغيير بحجة ضرورات "التحديث" كما يبرر بعض مؤديه. أو بوصفه مخرجا اجتماعيا وتسويقيا لائقا لحرج الاستماع للموسيقى الذي تحرمه بعض الآراء الفقهية وفقا للمنتقدين.
الشلّة في الموروث السعودي تعود لأهازيج وقصائد ذات ألحان فولكلورية مخصوصة جدا لا تتعدى الحداء والهجيني. يتغنى بهما الأفراد قديما للتسلية والسمر بمرافقة آلة الربابة. أو أثناء العمل والحرب لبث النشاط والحماسة في النفوس العازمة على مواجهة ما.
أما اليوم فقد طرأت على هذا الموروث مواضيع مختلفة ومتنوعة من جهة القصائد. منها الغزلي الرومانسي والدعوي أيضا. فضلا عن إعادة تسجيل أغنيات شعبية بأكملها لحنا وكلمات دون استخدام آلات موسيقية مباشرة والاكتفاء بإيقاعات إلكترونية لها نفس أصوات الآلات الموسيقية ولكنها مبرمجة بطريقة رقمية. ما يجعلها جائزة بنظر بعض الآراء الفقهية التي تأخذ بحرفية حرمة المعازف.
وفي ذات السياق تبقى عمليات التسجيل والبيع والنشر لا تراعي قوانين حقوق الملكية رغم ما تجنيه كثير من الجهات من مكاسب مادية مالية مباشرة عن هذه التسجيلات. إما بشكل شخصي من خلال الحفلات والمناسبات الخاصة والتجمعات الدعوية وتجمعات "مزايين الإبل" التي أصبح هذا اللون مطلوبا فيها بكثافة. أو من خلال قنوات ومسابقات تلفزيونية تنافسية أقيمت خصيصا بدافع من شهرة هذا اللون وانتشاره. لترغّب كثيرين من الشباب في العمل في هذا المجال والتنافس فيه كمنشدين موعودين بحلم الشهرة. ما روج بدوره لسوق متكاملة على مستوى الأعمال والأفراد.
"هذه ليست الشيلات التراثية التي نعرفها ولكن قصائد مكسورة الوزن تتجمل بالتطريب أو أغان شعبية يعاد تسجيلها بإيقاعات دون آلات".

#2#

يقول محمد الجاسرعازف ربابة ومهتم بالموروث الشعبي إنه لمن المؤسف أن تنسب هذه الأعمال إلى لون بعيدة عنه كل البعد. "نعم ليمارس كل إنسان اللون الذي يحبه ولكن بمسمياته الأصلية. فليس أسوأ على التراث من خلط الألوان والقديم بالحديث. دون حدود واضحة أو معلومة".
وكما وجد للشيلات في شكلها الحالي محبون ومتابعون وجد أيضا كارهون ومستاءون. وهؤلاء الأخيرون يحسبون ظلما على لون الشيلة التراثي الأصيل لاستيائهم فقط من بعض الأجواء المحيطة بشيلات اليوم من ادعاء وتعصب قبلي وازدواجية في الطرح وصلت للتهجم على ثقافات الآخرين من خلال بعض القصائد.
التعامل مع هذا الموروث أصبح تجاريا. برأي الجاسر. لذلك هو يفضّل التعامل مع الجهات الحكومية كالسياحة وغيرها في مناسباتها الداخلية والخارجية. رغم المردود القليل مقارنة بغيرها؛ لأن هذه الجهات لا تفرض عليه شروطا معينة أقلها التخلي عن آلة الربابة التراثية المحببة لديه والمصاحبة لشيلاته الشعبية.
رواد الأغنية الشعبية ومحبوها يشكون هم أيضا من هذا الخلط. فالأغنية الشعبية بحسب الفنان كمال الناصر ظلمت كثيرا. إذ كانت تغنى في حدود خاصة وضيقة نظرا للجرأة في الطرح التي كانت تؤخذ عليها. وعدم الاعتناء بها إعلاميا فلم تحظ ولم يحظ فنانوها بالشهرة التي عرفها كثير من الفنانين الغنائيين المعروفين اليوم. واستمرارا لذات الوضع تستفيد الشيلات من الأغنية الشعبية لحنا وكلمات دون إشارة أو تنويه فبعد أن عانت الأغنية الشعبية طويلا مشاهير الغناء الذين كانوا ينهلون من ألحانها ثم ينسبون هذا اللحن لأنفسهم أو للفلكور في أحسن الأحوال.
الشيلات بشكلها القديم تعد من الموروث الشعبي الشفهي "المعنوي" الذي يجدر الاهتمام به. وهذا ما سيكون عليه حال كثير من الأغاني الشعبية بعد فترة من الزمن. فمنها ما سيعد فلكلورا شعبيا ينسب للمنطقة التي خرج منها.
وفي المقابل فإن ما تمارسه شيلات اليوم بركاكتها الشعرية وبقدرتها التسويقية التجارية في الانتشار يضيف خطرا جديدا لكونها أصبحت عبارة عن برقيات بلا هوية أو ذائقة جغرافية مكانية يمكن تحديدها. وبذلك تكون شيئا فشيئا أقرب للأداء المفتوح منها للموروث الشعبي المعتبر تاريخيا باستثناء الاسم الذي تحمله وهنا مكمن الخطر والتشويه.

الأكثر قراءة