موازنة 2016 للتأريخ وأدواتها للتغيير
تشكل الموازنة العامة السعودية الجديدة، تحد حقيقي بالفعل. بينما لا تقبل القيادة في المملكة بأقل من النجاح في كل شيء. فكيف الحال على الصعيد الاقتصادي، الذي لا يمثل حالة محلية بالنسبة للسعودية فقط، بل يشكل حالة عالمية نظرا لمحورية المملكة على هذه الساحة. بمعنى آخر، لا يمكن للاقتصاد المحلي إلا أن ينجح رغم كل الظروف والاعتبارات والمتغيرات والمستجدات. وهذا النجاح ليس ورقيا بل فعليا، نظرا لوجود خيارات متعددة، ومجالات أخرى تشكل مصادر كبرى في الإيرادات، فضلا عن الإجراءات التي اتخذت والقوانين التي صدرت في الفترة الماضية، المساهمة في تحسين بيئة الأعمال في المملكة إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق. يضاف إلى ذلك عزم القيادة على وضع القطاع الخاص في بؤرة التنمية في البلاد، من خلال علاقة صحية مستدامة.
الموازنة الجديدة للمملكة، تشكل تحديا كبيرا بلا شك. لكن في الوقت نفسه هناك عوامل مساعدة في تحقيق الانتصار بهذا التحدي. والحق أن المملكة تخوض هذا التحدي في الوقت الذي ألزمت فيه نفسها بضرورة الانتهاء من عملية التصحيح التاريخي لسوق النفط العالمية، وكذلك إدخال إصلاحات متعددة على الساحة المحلية، وكلها بارتباطاتها تقود إلى تمكين المملكة من الوصول إلى أقرب نقطة من الاقتصاد الجديد الذي تنشده. اقتصاد لا يشبه آخر. اقتصاد لا يستثني شيئا. اقتصاد لا يرتكز فقط على سلعة أو سلعتين أو ثلاث سلع. اقتصاد يتشكل في ظل عجز في الموازنة، وتراجع هائل لأسعار النفط، الأمر الذي يؤكد أن السعودية قادرة على المرور في هذه المرحلة، والسبب أن شيئا لم يفرض عليها، بل هي التي فرضت الأشياء على نفسها، من أجل مستقبل اقتصادي أكثر استدامة واستقرارا، وأقل تأثرا بالمتغيرات والمستجدات على الساحتين المحلية والعالمية.
بالموازنة الجديدة، وبالبنود التي تضمنتها، وبالسياسات التي أعلنت في أعقابها لتطبيقها في المرحلة المقبلة، بإمكان المملكة "بسهولة" المضي قدما في عملية التصحيح النفطي العالمية. خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار، أن الخيارات المتاحة للوصول إلى المستوى الذي ترضى عنه القيادة العليا في السعودية. فالقيادة حددت حدا أدنى للنجاح، ووضعت سقفا لعلاج الخلل. بمعنى، أنها لن تقبل بأقل من النجاح ولن تقبل بالتمادي في العلاج بما ينعكس سلبا على الأوضاع المعيشية فيها. والمحاسبة جاهزة دائما هكذا أعلن صراحة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وهو بذلك يقول، إن الإصلاح لا يبرر المساس بالمواطن، بل إن الإصلاح ينبغي أن يكون لمصلحة المواطن والأجيال المقبلة كلها.
ستكون الموازنة السعودية الجديدة بمنزلة شرارة التغيير الاقتصادي الكلي. صحيح أن هذا التغيير بدأ قبل فترة، لكنه الآن أكثر وضوحا من خلال الأرقام التي أعلنت. سيكون هناك فهم متجدد "ولا نقول جديد" للإنفاق العام، بما يضمن مواصلة المشاريع التنموية الكبرى والصغرى، إضافة إلى ذلك سيكون دور القطاع الخاص محوريا في المرحلة المقبلة على صعيد التنمية، وهو مرتبط أيضا بحراك الاستثمارات الخارجية التي بدأت بالفعل تستهدف المملكة، في أعقاب السياسات الاقتصادية الجديدة التي اعتمدتها القيادة في الآونة الأخيرة. الخيارات كثيرة أمام تنويع الاقتصاد الوطني، والخيارات عديدة أيضا أمام سد العجز في الموازنة العامة، وتبدو متماسكة كلها. يكفي أن المملكة يمكنها الاستمرار على سعر النفط الراهن أكثر من أي بلد نفطي آخر، ويكفي أن نظامها المصرفي تمتع بقوة حتى بعد الانهيار الهائل لأسعار النفط. الترشيد الحكيم أيضا خيار موجود.
موازنة عام 2016 للمملكة، ستدخل التاريخ ليس فقط من باب مستجداتها، بل من جهة أدوات التغيير التي صحبتها.