«وهم القوة» .. أمم صنعها الصيت وأسقطها التاريخ

«وهم القوة» .. أمم صنعها الصيت وأسقطها التاريخ

قديما قال أرسطو "الزمان ينشئ ويلاشي، ففناء كل قوم سبب لكون قوم آخرين"، ذات المعنى عبر عنه الشاعر العربي أبو البقاء الرندي في نونيته: "لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغتر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان"، نظرية سياسية صرفة ومنطق تاريخي أزلي وغير ذلك من المسميات بألفاظ العلوم الحديثة ما عبر عنه هذا الشاعر هنا.

واقع السياسة

من المتعارف عليه منذ أطروحة ابن خلدون، وحتى قبله، وبحكم العقل والمنطق وقوانين الطبيعة أن انهيار القوى الكبرى ضرورة حتمية ومصير لا محيد عنه، وهذا ما عبر عنه الشاعر بسجية مطلقة نابعة من معاينته الواقع المحيط به، والأحداث التي تجري من حوله – التي شهدها أو سمع عنها - متخذا منها عبرة ضمنها هذين البيتين.
لكن واقع السياسة - في عصرنا الحالي - حين يمتزج بأجندة الإعلام يرفض قبول هذه الحقيقة التاريخية والقانون الطبيعي، ويعمل في مقابل ذلك على تذكية "وهم القوة" من خلال إثارة قضايا هامشية وجزئية سعيا إلى توجيه الأنظار عن الأسئلة الكبرى التي تحاصر الواقع، ومن الأساليب المعتمدة المراوغة في توصيف الواقع، وتلافي تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، وهو ما أخذت تعمل به عديد من الدول "ساسة وإعلاميين، مختصين وصناع القرار" منذ سنوات، فصرنا نسمع عن عبارات من قبيل "تراجع النفوذ"، "ضعف القوة الناعمة"، "صعود قوى مناوئة"، "تزايد نوبات سوء الفهم"، و"تراجع الاهتمام بالقيم الإنسانية" و"غياب لغة الحوار الممتدة على مدى العقود السابقة… إلى آخر هذه التمارين اللغوية التي لا يتوانى أصاحبها في الإبداع دون أن تكون لهم القدرة على الإفصاح عن حقائق الأشياء.

ضمائر حية

وحتى نكون منصفين، نشير إلى وجود بعض الضمائر الحية والحرة - في ذات الوقت - في الساحة الأكاديمية الغربية التي ما انفكت تعلن صراحة عن أفول شمس إمبراطورية بعض القوى الغربية، واتجاه بوصلة القوة نحو قوى أخرى قائمة حاليا "ألمانيا، الصين، اليابان،..." أو صاعدة "الهند، البرازيل، كوريا...". ومن هؤلاء نورد اسم الفرنسي جون ميشيل كاتربون في كتابه "صدام الإمبراطوريات" (2014)، وقبله الأمريكيان روبنسن وأسيمكلوا في كتابهما المتميز "لماذا تأفل شمس الأمم" (2012)... وأسماء أخرى عديدة.
لنعد إلى قانون التاريخ الذي يخبرنا باستحالة دوام قوة دولية مهيمنة، والحديث تحديدا عن دولتي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا؛ فالأولى تقدم نفسها سيدة العالم والثانية تتواضع قليلا وتحتكر لنفسها السيادة على القارتين العجوز والسمراء "أوروبا وإفريقيا". ولنعد كذلك إلى التّحولات الجوسياسية والاقتصادية -طوال العقد والنصف من هذا القرن– التي تنبئنا بدورها على تفكك نقط قوة هاتين الإمبراطوريتين وبداية مرحلة الانحدار والترهل.
أضحت صورة النسر الأمريكي – في وقتنا الحالي- على مرمى حجر عديد من القوى المنافسة سياسيا واقتصاديا، وهو عين ما يؤرق مضجع صناع القرار في البيت الأبيض حيال مستقبل نموذجهم السياسي والاقتصادي، وهل لا يزال بمقدورهم الاطمئنان إلى مقولة إن الولايات المتحدة الأمريكية هي "الربان الوحيد للاقتصاد العالمي" التي أضحت محط شك وريبة منذ أزمة 2008، ذات الشك الذي ينطبق على النظرة إليها "كجدي أو دركي يحرس العالم" منذ المستنقع الأفغاني وبعده العراقي.

منافسون جدد

من حق هؤلاء وغيرهم ألا يغمض لهم جفن؛ وواقع الحال يكشف لهم يوما بعد آخر عن قوى جديدة ومنافسين على أكثر من صعيد "الصين، روسيا، الهند، البرازيل،..." في حروب استراتيجية بصيغ متعددة "حرب العُملات، حرب الشرِكات، حرب الشرَاكات،...". الأكيد أن النهاية لن تكون غدا أو بعد غد، لكن المؤكد أكثر بالنسبة إلى الأمريكيين قبل غيرهم أنهم في بدايتها، فنموذجهم السياسي والاقتصادي استنفد كل إمكانياته في البريق واللمعان، وأدى في بعض جوانبه إلى كوارث اجتماعية واقتصادية وبيئية ستمتد آثارها إلى المستقبل وتأثيرها إلى الأجيال القادمة. لذا بدأت الإنسانية اليوم تبحث عن خيارات بديلة وتجارب جديدة، يمكن أن تسير على هديها لضمان سلم وسلام وأمن وأمان وعيش كريم.
أما الديك الفرنسي فليس أحسن حالا من ذاك النسر، فالفرنسيون يدركون يقينا أن القرن الحادي والعشرين ليس لهم إطلاقا، وأنهم خارج معادلة القوى المؤثرة في هذا القرن. لقد راكمت فرنسا خلال العقدين الماضيين عديدا من الأخطاء القاتلة على رأسها التدخلات العسكرية "مالي، إفريقيا الوسطى، ليبيا، سورية..." – إنها تكاد تسير على خطى أمريكا - إضافة إلى ذلك الخطأ التاريخي القاتل الذي يرفض الفرنسيون الاعتراف به هو أداؤهم في مفاوضات توحيد ألمانيا، علاوة على إشعال فتيل أزمات الهوية داخل الأوساط الفرنسية ما يهدد بشرخ مجتمعي كبير. أمور ستدفع فرنسا ثمنها أضعافا مضاعفة في هذا القرن.

زوال الإمبراطوريات

فالحلم الفرنسي بقيادة "إمبراطورية الاتحاد الأوروبي" بات ضمن باب المستحيلات، لسببين رئيسين: أحدهما مرتبط بانعدام أي إمكانية لإقامة إمبراطورية حقيقية في الاتحاد، لأنه في الأصل -وبكل بساطة- هجين لانعدام مقومات الوحدة الحقيقية فيه "اللغة، القومية، الدين..."، والآخر؛ الأكثر مرارة بالنسبة لدى الفرنسيين، هو تحقيق الحلم الجرماني القديم بالوحدة أولا، وقيادة ألمانيا لأوروبا بفضل سياستها الناعمة اقتصاديا ثانيا، وكل ذلك على حساب مكانة فرنسا، ما جعل مقولة مارجريت تاتشر تتحقق، حيث قالت ذات مرة "ضم ألمانيا الموحدة لأوروبا تم بصورة معكوسة، فقد انضمت أوروبا إلى ألمانيا".
ليس هناك في التاريخ الإنساني إمبراطورية دامت أكثر من قرنين أو ثلاثة.. حتى الحضارات لا تستمر أكثر من مدة معينة. هذا قانون تاريخي... واليوم أمريكا هي الغرب وأوروبا هي البطن الرخو لما يسمى الغرب على رأسها فرنسا، وفي جميع الميادين، عسكريا واقتصاديا وسياسيا.
لذا بات جليا أن التحاق هذه القوى بسابقاتها على غرار الإسبان والبرتغال... وغيرها من الحضارات التي بلغت أقاصي وأداني الأرض في حقب تاريخية سالفة، فرفوف التاريخ تتسع لمساهمة هذه الدول في تطور البشرية في مدارج المدنية كما وتستوعب بالمثل ركام أخطائها وجرائمها التي ستبقى وصمة عار في جبين تاريخ إنسانية القرن الحادي والعشريين بشعاراتها الرنانة حول "حقوق الإنسان" و"حقوق البيئة" وغير ذلك.

الأكثر قراءة