النجاحات الاقتصادية الكبرى .. تحققت عن طريق التجربة / الخطأ

النجاحات الاقتصادية الكبرى .. تحققت عن طريق التجربة / الخطأ
النجاحات الاقتصادية الكبرى .. تحققت عن طريق التجربة / الخطأ

منذ ما يفوق عقدا من الزمن، أثار كتاب ويليام إسترلي المعنون "بحث بعيد المنال عن النمو" ضجة بين الاقتصاديين. لقد أكد إيسترلي، وهو مختص اقتصادي سابق في البنك الدولي، أن جل الحلول التي وضعت لمواجهة مشكل التخلف، التي تمول بالمساعدات "الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والصناعة" لم تحقق النتائج المتوقعة. لأنه في الواقع، تنتج التنمية الاقتصادية عن طريق مؤسسات تؤطر السوق والسياسة.

يتفق معظم الاقتصاديين حول الرأي الذي يذهب إلى أن التنمية الاقتصادية على مستوى الأمد البعيد إنما هي نتيجة كامنة في دور المؤسسات، وحكم القانون واحترام الحقوق الفردية. فبينما طورت بعض الإصدارات الحديثة، مثل دراسات دارون أسيموجلو وجيمس روبنسون "لماذا تفشل الأمم، 2012"، مقاربات مؤسساتية لتفسير مسلسل التنمية، فإن قليلين فقط هم أولئك الذين كانوا على استعداد لقبول النتائج العملية للمقاربات المؤسساتية. لكن الكتاب الأخير لويليام إيسترلي، المعنون بـ "طغيان الخبراء"، قام بنهج هذه المقاربة المؤسساتية. لا توجد حلول معجزة لمشكلات الفقر والتخلف الاقتصادي. لكن عوض محاولة البحث عن تحقيق معجزات، لا يتوجب على صناع القرار، بكل بساطة، إلا احترام حقوق الأفراد، بما في ذلك حقوق الأفراد الفقراء.

يعرض الجزء الأول من هذا الكتاب التاريخ الفكري لاقتصاد التنمية على ضوء مقاربتين متضادتين، في شخصي اقتصاديين حاصلين معا على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1974: جونار ميردال وفريدريك فون هايك. يعد ميردال ممثل المقاربة الحكومية "السلطوية" في مجال التنمية الاقتصادية، المقاربة التي ترمز للفعل "من أعلى"، المقاربة التكنوقراطية، تلك التي تتصور أن التنمية عبارة عن "هندسة اجتماعية"، و"تحليل فني بحت لمسألة السياسة الاجتماعية". بينما في المقابل، صنع فريدريك فون هايك سمعته من خلال دراسة الخصائص الإبستيمية للأسواق.

#2#

فالأسواق والأشكال المركبة من التعاون الاجتماعي، حسبة، تشكل وسائل لتعبئة المعارف التي لم تكن متاحة لأي شخص في مجملها. ففي نظر هايك، تعد التنمية الاقتصادية نتيجة لمسلسل يستغل من خلاله الأفراد المعارف المتناثرة بينهم عن طريق وضعها في خدمة أهداف ذات منفعة من الناحية الاجتماعية، وليست التنمية نتيجة سياسات تقويمية بارعة. لم تحدث وجهة نظر هايك إلا صدى قليلا لدى مختصي اقتصاد التنمية. إذ لو تم قبول أفكاره، فإن ذلك سيتركهم أمام عمل قليل للقيام به. ففي أواخر أربعينات القرن الماضي، طغت النظرة التي تعطي دورا كبيرا للمختصين الاقتصاديين ولقدرتهم على تغيير سياسات اقتصادية بشكل إرادي على اقتصاد التنمية. لكن سياسة "اللوحة البيضاء" في مجال التنمية هذه لم تأت من العدم. ففي الفصل الثاني من الكتاب يسرد إيسترلي بدايات تاريخ وسياسة اقتصاد التنمية.

في بداياته، غالبا ما ارتبط "اقتصاد التنمية" بالاستعمار والأحكام العنصرية المسبقة. ففي مناقشات ثلاثينات القرن العشرين، تم تبرير الوجود الاستعماري البريطاني في إفريقيا بأسطوانة تحقيق التنمية الاقتصادية. وبعد قانون الهجرة الصادر سنة 1924 الذي يستثني الآسيويين من التجنيس في الولايات المتحدة الأمريكية، تم النظر إلى مخططات التنمية التي قادها مختصون صينيون من طرف كثيرين كوسيلة "علمية" و"محايدة" لتخفيف التوترات العرقية التي تسببت فيها القيود الجديدة في مجال الهجرة. ولما تم تحويل الانتباه من القضايا السياسية إلى القضايا التقنية، استدعت المقاربة "من أعلى" مستبدين مثل تشيانج كاي تشيك في الصين، فضلا عن مجموعة من الاقتصاديين الطموحين. إن "الوضعية السياسية الرهيبة في الصين يبدو أنها في حد ذاتها تشكل معرقلا كبيرا للتنمية. فكل شخص متورط في هذه السياسة يجب أن يعتبر جزءا من المشكل، وليس طرفا في الحل" يؤكد ويليام إسترلي.

وتبعا لذلك، "فلقد سمحت العقلية التكنوقراطية للاقتصاديين الصينيين بتقديم أنفسهم كخبراء محايدين، من دون مرجعية سياسية". هذه السابقة فتحت الطريق أمام "الحياد السياسي" للبنك الدولي وعدد من وكالات التنمية الأخرى، ما سمح لهم بتقديم مساعدات من أجل التنمية لأسباب تقنية صرفة لأنظمة بغيضة في بعض البلدن السائرة في طريق النمو، وهو أمر اعتبر ورقة رابحة للولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الحرب الباردة.

لكن هل يجب علينا أن نتخلص من مجمل "اقتصاد التنمية" القديم؟ الجواب يتضمنه الفصل الثالث والفصل الرابع من الكتاب، الذي يجيب بشكل مدوٍ "نعم". إن النهج التكنوقراطي يتجاهل الدور الذي تلعبه السياسة، والمؤسسات والثقافة. رغم أن عددا كبيرا من الأدلة يؤكد أن الفقر يرتبط بالاستبداد والقيم الجماعاتية. ليس من المبالغ في شيء إذن أن نقول إن المساعدات الغربية التي تقدم "لحكم اللصوص" يشكل عقبة أمام التنمية.

ومن الأمثلة الأخرى، يذكر إيسترلي حالة إثيوبيا. التي رحب بيل جيتس وتوني بلير بانخفاض معدل الوفيات فيها بنحو 59 في المائة بين عامي 1990 و2010، باعتباره انتصارا يستند إلى "تحديد أهداف واضحة، واختيار نهج معين، وتحقيق النتائج في المحصلة". لقد أدى الهوس بالتجربة الإثيوبية إلى تدفق المساعدات، التي استخدمها الديكتاتور ميليس زيناوي لأهداف سياسية. يتضمن ذلك مثلا ممارسة الابتزاز في توزيع المساعدات الغذائية "عن طريق تجويع الفلاحين ليدفعهم إلى مساندة نظامه السياسي، ومعاقبة مؤيدي المعارضة بحرمانهم من الدعم الغذائي الذي يقدمه المانحون".

تحدث إيسترلي أيضا عن الهجرة على المستوى الدولي، التي تعكس إلى أي مدى تخلى "اقتصاد التنمية" عن الفقراء وعن حقوقهم. إذ رغم الأدلة القوية التي تبين أن الهجرة تعد واحدا من "البرامج" المضادة للفقر الأكثر فعالية في كل الأزمنة "على سبيل المثال، 82 في المائة من الأشخاص غير الفقراء الهايتيين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية"، فإن جماعة "اقتصاد التنمية" ترى في الهجرة مشكلا أكثر من كونها حلا. والسبب، حسب إيسترلي، هو أن تخفيض الفقر عن طريق اختيار الأفراد مغادرة البلدان يتمتع بأهمية قليلة لدى عقول تركز حصرا على خلق التنمية داخل أراضي كل دولة.

إن استخدام الدول – ضد الأفراد- كوحدات في التحليل يتوفر على أسس ضعيفة في العلوم الاجتماعية. لكن في أوساط مختصي التنمية، النتائج الاقتصادية الجيدة تسند دائما تقريبا إلى سياسات وطنية ذكية. إلا أنه، حسب مقال وليام إسترلي، الذي أصبح الآن من الكلاسيكيات، الذي كتبه باشتراك مع لاري سومرز ومايكل كريمر ولان بريتشيت، فإن الاختلاف في السياسات بين الدول لا يفسر الفوارق في التنمية الاقتصادية بين الدول على المدى البعيد.

إذا كانت التنمية الاقتصادية بواسطة الطرق التقليدية تعتريها عيوب قاتلة، كما يعتقد ذلك ويليام إيسترلي، فما البديل إذن؟ إنه اتباع هايك بدل ميردال، باستعمال الأسواق، والابتكار التكنولوجي، والمسؤولية السياسية، لخلق، واختبار، وتطوير حلول لمواجهة الفقر والتخلف الاقتصادي. بعد كل هذا، إن النجاحات الاقتصادية الكبرى، بما في ذلك نهضة الغرب وأجزاء كبرى من القارة الآسيوية، تمت تغذيتها عن طريق مسلسل التجربة/الخطأ وبواسطة التدمير الخلاق الذي صاغه جوزيف شومبيتر.

"طغيان الخبراء" كتاب مثير يحمل رسالة مهمة. بدلا من البحث عبثا عن حلول تقنية، فقد حان الوقت لأن تتحول جماعة "اقتصاد التنمية" إلى متحدثين باسم الحرية الاقتصادية والحرية الفردية والحرية السياسية في البلدان السائرة في طريق النمو.

*محلل اقتصادي ومدير مركز الدراسات الاقتصادية في معهد ليجاتوم الأمريكي
**باحث من المغرب

الأكثر قراءة