الاقتصاد السعودي .. الإرادة السياسية وثقة المواطن بالمرصاد لانتهازية التشكيك
إصلاح الاقتصاد وكفاءة أدائه مطلب شعبي وحكومي مستمر لا يبدأ من حيث تعاظمت التحديات، ولا ينتهي بزوالها. فالاقتصاد ليس مداخيل ومصاريف مالية فقط، وليس شفافية وفسادا، كما يختزله البعض. بل دورة كاملة تتقاطع مع كل ما هو اجتماعي وسياسي وثقافي. وهذا نفسه ما يجعل الاقتصاد بتداخلاته وتحدياته مادة دسمة للاستغلال والاستقطاب الدعائيين سياسيا وجماهيريا. والاقتصاد السعودي بما يواجهه من تحديات. ليس بمعزل عن هذه الأطماع. التي قد تستغله لتمرير أجندات وخطابات. ولكن تبقى ثقة المواطن وإنتاجيته وإحساسه بأنه المورد الأقوى في معادلة الاقتصاد الوطني. وهذا ما أكده خطاب الملك سلمان الرجل الأول في الحكومة أمام مجلس الشورى.
صورة مؤسساتية
إرادة سياسية ممثلة في شخص الملك تطرح ما أنجزته ورؤيتها حول ما تتطلع إليه مستقبلا في العمل السياسي والاقتصادي بحضور رئيسي المجلسين السياسي والاقتصادي. المعنيين بمتابعة وقياس أداء الوزارات. في صورة حضارية ومؤسساتية تقطع الطريق على كل من يحاول التشكيك.
الإرادة السياسية السعودية الطامحة لمواصلة التقدم الاقتصادي. تجلت بكامل نياتها الإصلاحية الصادقة والفاعلة في خطاب صريح لخادم الحرمين الملك سلمان أمام أعضاء مجلس شورى تم اختياره بعناية، ما بين مختصين ومختصات "تكنوقراط"، خدموا الدولة في أماكن متنوعة، وأكفاء يعبّرون عن شرائح مناطقية مختلفة.
الخطاب في نظرة تكاملية أكد جدوى سياسات العهد السابق، حيث الأسعار المرتفعة للنفط خلال الأعوام الماضية أدت إلى "تدفق إيرادات مالية كبيرة حرصت الدولة من خلالها على اعتماد عديد من المشاريع التنموية الضخمة وتطوير البنية التحتية إضافةً إلى تعزيز الاحتياطي العام". ما مكّن السعودية من "تجاوز تداعيات انخفاض أسعار النفط، بما لا يؤثر في استمرار مسيرة البناء وتنفيذ خطط التنمية ومشاريعها"، وأن اقتصاد المملكة يواصل "نموه الحقيقي على الرغم من التقلبات الاقتصادية الدولية وانخفاض أسعار النفط". كما استشرف خطاب الملك المستقبل بتأكيده حرص المملكة "على تنفيذ برامج تنويع مصادر". أما رؤية الحكومة للإصلاح الاقتصادي فترتكز على: "رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، والاستفادة من الموارد الاقتصادية وزيادة عوائد الاستثمارات الحكومية".
رفاه منتِج
إلى ذلك، فإن الجديد القديم أو القديم الجديد في مواجهة التحديات الاقتصادية القادمة يعتمد بشكل أكبر على إعادة تصور واقعية ومجتمعية لمفهوم "اقتصاد الرفاه" خصوصا. فقد خطت المملكة خطوات جيدة والمنتظر أكثر فيما يتعلق بالانتقال التدريجي من الريعية إلى الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل. لكن تبقى هناك مقاومة ثقافية واجتماعية واضحة لمحاولات تغيير النظرة الاجتماعية حول طبيعة الرفاه ومقتضياته العملية والمعيشية. في عصر اقتصاد مفتوح يرتكز على "الخصخصة" واللامركزية.
إذ تتضافر جهود القطاعين العام والخاص لخدمة أكبر شريحة بأسرع وقت. ما يلزم بالضرورة تجاوز كثير من المركزية والبيروقراطية الحكومية ووضع الثقة أكثر فأكثر في قطاع خاص وطني أو استثماري عابر للقارات. يعمل على توليد فرص استثمارية ووظائف تدفع عجلة الاقتصاد بكفاءة أعلى وجهد ووقت أقل. ما يدعو إلى ضرورة تقليص وتحجيم الاعتماد على الرعاية الحكومية "الرفاه" في تقديم الخدمات أو في التوظيف. وتمكين القطاع الخاص من المشاركة في الاقتصاد الوطني بمساحات أوسع. للتخلص من ترهل الأداء الحكومي الذي يشتكي منه كثير من المواطنين، وهو ما عناه نصا خطاب الملك في تشديده على رؤية الاصلاح الاقتصادي: "رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، والاستفادة من الموارد الاقتصادية وزيادة عوائد الاستثمارات الحكومية".
نظرة أبعد
الإصلاح الاقتصادي وما يحمله من أعباء محتملة في البدايات على المواطن والحكومة، يمثل تحديا اجتماعيا وثقافيا يستدعي مزيدا من تكامل جهود أصحاب الفكر والرأي لتقريبه من الناس وتوضيح أهدافه وإيجابياته على المدى البعيد. فالثقة عامل رئيس وعملة صعبة لنجاح أي مشروع اقتصادي وطني. في حين ما تروج له بعض الخطابات الشعبوية يتناقض مع نفسه قبل أن يتناقض مع المصلحة العامة للبلد. إذ ينطلق من خلفية أن الاقتصاد السعودي ريعي أبوي في حين لا يفوت - الخطاب ذاته - فرصة أو مناسبة للنيل والتشكيك في القطاع الخاص الوطني مطالبا باستمرار المركزية الحكومية والرعاية الأبوية بحجة أننا "بلد نفطي" غني يمكنه الإنفاق بلا حدود، على حد تعبيره.
أسعار النفط المتدنية وإن كانت تزامنت وهذه النوايا الحكومية الجادة في التحول الاقتصادي الوطني إلا أنها لا يجب أن تأخذ أكبر من حجمها باعتبارها دورات سعرية تتعلق بكثير من المضاربات العالمية، الوهمية قبل الحقيقية. دورات قصيرة زمنا وتأثيرا يتضافر من أجلها كثير من المماحكات والضغوط السياسية والاقتصادية. في حين ما ترجوه المملكة حكومة وشعبا تحول اقتصادي وطني شامل ومؤثر ذو نظرة أبعد يأخذ في الاعتبار تطلعات الأجيال الحالية ومصلحة الأجيال القادمة.
مبالغة وتجاهل
اقتصاد المملكة ليس حديث عهد بالتطوير والإصلاح. وأن يوصف من قبل البعض بأنه اقتصاد "ريعي" في إشارة إلى ارتباطه بمورد واحد هو النفط. ففي هذا مبالغة وتجاهل لتطورات لاحقة كثيرة في رأي مختصي الاقتصاد. إذ خطت المملكة خطوات واسعة منذ عهود في كثير من الصناعات التحويلية والبلاستيكية والسياحة الداخلية. إضافة إلى كثير من الصناعات الغذائية. التي تضاهي وتنافس مثيلاتها عالميا.
التحذير من نضوب النفط والتخويف من عدم الحاجة إليه عالميا. من أكثر الحجج التي يعتمدها كثير من الخطابات التشكيكية. وهي نقطة تضاف إلى نقاط كثيرة خاطئة تكشف عن جهل مركب تجاه الاقتصاد السعودي. فمن ناحية يوصف بالريعي على المطلق، ومن ناحية أخرى يتم تجاهل كثير من الخطوات التي خطاها تنويعا واستثمارا، ما أهله ليكون ضمن 20 دولة من أقوى الاقتصادات في العالم. يبقى أن النفط كمورد وصناعة ليس مهددا كما تروج لذلك الخطابات التشكيكية. مثلما أن الفحم الحجري الأقدم منه عمرا ما زال يُعتمد عليه رغم كل الحروب التي شنت عليه في قمة المناخ الأخيرة. يذكر أن أزمة تراجع أسعار النفط ترافقت هذه المرة مع ارتفاع الطلب وليس انخفاضه. وهذا مؤشر قوة وليس ضعفا. لكن تكلفة استخراجه والتقنية التكنولوجية المستخدمة هي ما تشهد تنافسا محموما يتزامن وثورة تكنولوجية عالمية على كافة الأصعدة. وليس على مستوى النفط وحده. والمؤمل هنا أن تخطو المملكة هي أيضا خطوات أخرى جيدة في هذا المجال، بحثا واستقطابا، على غرار ما استشرفته في الماضي حين لم تكتف بتصدير الخام. فعملت على إقامة مصانع تعنى بصناعات مشتقاته.