رعاية مرضى السرطان مهملة في «الصحة العالمية»
يتوقع أن يصدر مجلد الجراحة الأساسية، وهو الأول من تسعة مجلدات ويصدر في سلسلة أولويات مكافحة الأمراض، الطبعة الثالثة. ووصف هذا الكتاب بأنه يسلط الضوء على موضوع مهمل منذ فترة طويلة في مجال الصحة العالمية، وقدم أسباب هذا الإهمال: ألا وهي أن "الحكمة السائدة تقول إن عبء الأمراض الجراحية كان منخفضا جدا، ونفقات العمليات الجراحية مرتفعة للغاية، وتقديم الرعاية أمر معقد جدا".
استبدل كلمة "السرطان" بكلمة "الجراحة" ويكون لديك موضوع وتحدي المجلد الثاني من سلسلة أولويات مكافحة الأمراض. وينافس السرطان الجراحة من حيث درجة إهماله عالميا، وبالنسبة للسرطان هناك أمر على القدر نفسه من الإلحاح وهو يتعلق بتكثيف جهود المكافحة – بما في ذلك العلاج والرعاية المخففة للآلام (المسكنات) إضافة إلى الوقاية - حتى في أشد البلدان فقرا. وبطبيعة الحال، فإن الجراحة تمثل مكونا أساسيا من علاجات السرطان – حيث تم علاج حالات السرطان عن طريق الجراحة وحدها أكثر من أي وسيلة أخرى.
ولنبدأ بعبء السرطان: فمع وصولنا إلى اختتام الأهداف الإنمائية للألفية عام 2015 فيما يتعلق ببقاء الأطفال على قيد الحياة، ومع استمرار ازدياد متوسط العمر المتوقع في معظم البلدان، فإن عدد السكان المعرضين للإصابة بالسرطان يتزايد. هناك ثمانية ملايين وفاة بسبب السرطان سنويا في جميع أنحاء العالم، تقع خمسة ملايين منها بالفعل في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل (الأغلبية الكبيرة منها في البلدان متوسطة الدخل). وهذه النسبة في تزايد مستمر كما هو الحال بالنسبة لمجموع الوفيات التي تنتج عن السرطان. ما لا يلاقي ما يستحقه من تقدير في كثير من الأحيان هو أن المعدلات القياسية لوفيات السرطان حسب العمر آخذة في الانخفاض في معظم البلدان، إلا أن الأسباب الرئيسة الأخرى للوفاة، سواء في الأمراض المعدية وغير المعدية، آخذة في الانخفاض بشكل أسرع.
إن أسرع نسبة نمو لعبء السرطان في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل هي من أنواع السرطان التي يتسبب فيها التبغ – التي يمكن القول إنها أكثر أنواع السرطان شيوعا التي يمكن الوقاية منها. ويأتي بعدها مباشرة من حيث إمكانية الوقاية منها نوعان من السرطان يمكن الوقاية منهما عن طريق التطعيم باللقاحات: وهما سرطان الكبد الناجم عن فيروس التهاب الكبد "B" وسرطان عنق الرحم الناجم عن فيروس الورم الحليمي البشري. فضلا عن ذلك، فإن السرطانات التي تصبح أكثر شيوعا، عموما، هي الأنواع التي لا يمكن الوقاية منها في ظل المعارف والتدخلات الحالية: وهي سرطان الثدي، وسرطان القولون، وسرطان البنكرياس، ومعظم سرطانات الدم والأورام اللمفاوية، وعديد من السرطانات الأقل شيوعا. ومع ذلك، فإن عديدا من هذه الحالات يمكن علاجه بنجاح كبير، خاصة عندما يتم اكتشافه مبكرا (المرحلتان 1 و2). ودون علاج، فإن معظم هذه الأنواع من السرطان مميت دائما.
هناك حاجة إلى المجموعة الكاملة من التدخلات – التي تشمل الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الكيميائي، وعلاج الغدد الصماء - لعلاج كثير من أنواع السرطان الشائعة (سرطان الثدي مثال جيد على ذلك). في حين أن عديدا من أنواع السرطان في مرحلة مبكرة يمكن علاجها والشفاء منها بالجراحة وحدها، فإنه بالنسبة للأنواع الأخرى لا يمكن علاجها وتحقيق الشفاء منها إلا بإضافة بعض الأساليب الأخرى. وفي هذه الحالة، فإن بدء العلاج بأقل من مجموعة كاملة من العلاجات التكميلية يمكن أن يعني إلحاق ضرر دون تحقيق فائدة كبيرة. ويتمثل بعض العقبات الكبرى أمام مكافحة السرطان في تشخيص نسبة كبيرة من حالات السرطان في مراحل متأخرة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وعندها يكون العلاج مستحيلا حتى مع استخدام أحدث أساليب وطرق العلاج. كيف يمكن تحقيق تحول في المسار نحو الشفاء؟ نرى ذلك من خلال منظور الآراء التقييمية: عندما يبدأ الناس في الشفاء، فإن المواقف الاجتماعية تجاه السرطان تبدأ في التغير ويكون الناس أكثر استعدادا للتقدم للتقييم عندما يكتشفون أي أشياء غير طبيعية، حتى دون برامج الفحص الرسمية واسعة النطاق. قد تكون هذه العملية بطيئة، إلا أن بناء البنية التحتية نفسها، خاصة قاعدة الموارد البشرية لمكافحة السرطان بطيء أيضا. ومع ذلك، فكلما بدأت العملية في وقت مبكر، اكتسبت الدعم والمساندة أسرع على مستوى السكان.
من بين أنواع السرطان الأكثر قابلية للشفاء، حتى إن لم تكن الأكثر عددا، نجد بعضا من أكثر أنواع السرطان شيوعا في مرحلة الطفولة، خاصة اللوكيميا "سرطان الدم"، والليمفوما "سرطان الغدد الليمفاوية"، وأورام شبكية العين، وأورام الكلى، وبعض الأورام الأخرى. من الواضح أن علاج الأطفال بشكل فعال اقتصاديا وبتكلفة معقولة في المتناول يمثل أمرا جيدا كما يرسل أيضا رسالة قوية للآراء التقييمية المطلوبة لتغيير المواقف العامة للناس بشأن السرطان.
حتى على المدى الطويل، بمجرد أن يتوافر العلاج على نطاق واسع، فإن السرطان سيظل سببا شائعا للوفاة في البلدان الغنية والفقيرة - سيكون شائعا وغالبا مؤلما. وسيقدم المجلد الثالث من سلسلة أولويات مكافحة الأمراض مبررا - مرة أخرى – من أجل التوسع في الحد من الألم، بما في ذلك عن طريق عقاقير الأفيون، حتى في أشد البلدان فقرا. ويثبت برنامج نموذجي في أوغندا، بدأ منذ أكثر من عقدين من الزمن، ومجموعة صغيرة جدا من البرامج الأخرى، بشكل لا لبس فيه أنه من الممكن توفير علاجات للحد من الألم لدى مرضى السرطان الذين يموتون في منازلهم، حتى في المناطق الريفية في إفريقيا وآسيا. كتب مقدمة المجلد الثالث من سلسلة أولويات مكافحة الأمراض البروفيسور أمارتيا سين، وهو نفسه أحد الناجين من السرطان عندما كان شابا، ويعتبر نفسه من بين عدد قليل من المحظوظين في زمنه وبلده. وقد خلص إلى ما يلي:
الدرس الذي نستنتجه، من التحليلات التجريبية الواضحة الهدف المعروضة في هذا الكتاب، هو أن ما يمكن أن نحققه ليس مجرد أثر كبير في معدلات الإصابة والإدارة والقضاء على السرطان، حتى في البلدان الأكثر فقرا في العالم، بل إنه يمكن أيضا تحقيق ذلك بطرق فعالة من حيث التكلفة وبأسعار معقولة في المتناول. والتفهم، والتصميم والإرادة، هي أشد جوانب القصور التي تحتاج إلى التغيير.
إنه، في نهاية المطاف، كتاب لطيف يستبشر الخير بشأن موضوع شديد البغض. كما أنه أيضا دعوة للعمل مهمة إلى حد كبير جدا.